فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 400

النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان؛ فلا تسألوا عنها) . وكذلك قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} [الأنعام: 145] ، نفى التحريم عن غير المذكور؛ فيكون مسكوتًا عن تحريمه عفوًا، والتحليل إنما يكون بخطاب، ولهذا قال في سورة المائدة التي أنزلت بعد هذا {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ} إلى قوله: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ} [المائدة: 4، 5] ؛ ففي ذلك اليوم أحل لهم الطيبات وقبل هذا لم يكن محرمًا عليهم إلا ما استثناه. وقد حرم النبي -صلى الله عليه وسلم- كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير (171) . ولم يكن هذا نسخًا للكتاب لأن الكتاب لم يحل ذلك، ولكن سكت عن تحريمه؛ فكان تحريمه ابتداء شرع. ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المروي من طرق من حديث أبي رافع وأبي ثعلبة وأبي هريرة (172) وغيرهم: (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه. فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن. فما وجدنا فيه من حلال أحللناه. وما وجدنا فيه من حرام حرمناه! ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه) ، وفي لفظ: (ألا وإنه مثل القرآن أو أكثر. ألا وإني حرمت كل ذي ناب من السباع) (173) ؛ فبين أنه أنزل عليه وحي آخر. وهو الحكمة غير الكتاب. وأن الله حرم عليه في هذا الوحي ما أخبر بتحريمه ولم يكن ذلك نسخًا للكتاب؛ فإن الكتاب لم يُحل هذا قط، إنما أحل الطيبات، وهذه ليست من الطيبات. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ؛ فلم تدخل هذه الآية في العموم، لكنه لم يكن حرمها، فكانت معفوًا عن تحريمها لا مأذونًا في أكلها، وأما الكفار فلم يأذن الله لهم في أكل شيء ولا أحل لهم شيئًا ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه، بل قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا} [البقرة: 168] ، فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالًا وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله. والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمن به، فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا إذا آمنوا. ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكًا شرعيًا؛ لأن الملك الشرعي هو القدرة على التصرف الذي أباحه الشارع -صلى الله عليه وسلم-. والشارع لم يبح لهم تصرفًا في الأموال إلا بشرط الإيمان فكانت أموالهم على الإباحة فإذا قهر طائفة منهم طائفة قهرًا يستحلونه في دينهم وأخذوها منهم صار هؤلاء فيما كان أولئك. والمسلمون إذا استولوا عليها فغنموها ملكوها شرعًا؛ لأن الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم. ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار فيما أخذه بعضهم من بعض بالقهر الذي يستحلونه في دينهم، ويجوز أن يشتري من بعضهم ما سباه من غيره؛ لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات، ولهذا سمى الله ما عاد من أموالهم إلى المسلمين فيئًا؛ لأن الله أفاءه إلى مستحقه؛ أي: رده إلى المؤمنين به الذين يعبدونه ويستعينون برزقه على عبادته؛ فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه. وإنما خلق الرزق ليستعينوا به على عبادته، ولفظ الفيء قد يتناول الغنيمة كقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في غنائم حنين: (ليس لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس. والخمس مردود عليكم) (174) لكنه لما قال تعالى: {وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} [الحشر: 6] ؛ صار الفيء إذا أطلق في عرف الفقهاء فهو ما أخذ من مال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، والإيجاف نوع من التحريك.

قال الشيخ (175) -رحمه الله-: الكفر والنفاق إذا ذكر الكفر مفردًا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون، كقوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، وقوله: وَمَن يَكْفُرْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت