فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 400

بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا، وقوله: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل] ، وقوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} [الملك] ، وقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر] ، وقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} [العنكبوت] .

فهذه كلها يدخل فيها المنافقون الذين هم في الباطن كفار ليس معهم من الإيمان شيء كما يدخل فيها الكفار المظهرون للكفر، بل المنافقون في الدرك الأسفل من النار كما أخبر الله بذلك في كتابه، ثم قد يقرن الكفر بالنفاق في مواضع؛ ففي أول البقرة ذكر أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين. وقال: {إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] ، وقال: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} [الحديد: 13] ، إلى قوله: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَاوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد] ، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} في سورتين. وقال: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [الحشر: 11] .

وكذلك لفظ المشركين قد يقرن بأهل الكتاب فقط، وقد يقرن بالملل الخمس كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج] ، والأول كقوله: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَاتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة] ، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة] ، وقوله: {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ} [آل عمران: 20] ، وليس لأحد بعد مبعث محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا من الذين أوتوا الكتاب أو الأميين وكل أمة لم تكن من أهل الكتاب فهم من الأميين، كالأميين من العرب ومن الخزر والصقالبة والهند والسودان، وغيرهم من الأمم، الذين لا كتاب لهم؛ فهؤلاء كلهم أميون، والرسول مبعوث إليهم كما بعث إلى الأميين من العرب. وقوله: {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 20] ، وهو إنما يخاطب الموجودين في زمانه بعد النسخ والتبديل؛ يدل على أن من دان بدين اليهود والنصارى فهو من الذين أوتوا الكتاب، لا يختص هذا اللفظ بما كانوا متمسكين به قبل النسخ والتبديل، ولا فرق بين أولادهم وأولاد غيرهم، فإن أولادهم إذا كانوا بعد النسخ والتبديل ممن أوتوا الكتاب فكذلك غيرهم إذا كانوا كلهم كفارًا، وقد جعلهم من الذين أوتوا الكتاب بقوله: {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 20] ، وهو لا يخاطب بذلك إلا من بلغته رسالته لا من مات؛ فدل ذلك على أن قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5] ، يتناول هؤلاء كلهم كما هو مذهب الجمهور من السلف والخلف، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته. لم يختلف كلامه إلا في نصارى بني تغلب، وآخر الروايتين عنه أنهم تباح نساؤهم وذبائحهم كما هو قول جمهور الصحابة، وقوله في الرواية الثانية: لا تباح متابعة لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لم يكن لأجل النسب، بل لكونهم لم يدخلوا في دين أهل الكتاب إلا فيما يشتهونه من شرب الخمر ونحوه. ولكن بعض التابعين ظن أن ذلك لأجل النسب كما نقل عن عطاء، وقال به الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد، وفرعوا على ذلك فروعًا؛ كمن كان أحد أبويه كتابيًا والآخر ليس بكتابي ونحو ذلك. حتى لا يوجد في كتب طائفة من أصحاب الإمام أحمد إلا هذا القول وهو خطأ على مذهبه مخالف لنصوصه، لم يعلق الحكم بالنسب في مثل هذا البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت