معصية، بل لعنه -صلى الله عليه وسلم- على ذلك؛ لأن الله لم يبح إباحة العاصي على معصيته ولا أباح له ما يستعين به في المعصية. فلا تكون مباحات لهم إلا إذا استعانوا بها على الطاعات. فيلزم من انتفاء السيئات أنهم لا يفعلون إلا الحسنات. ولهذا من ترك المعاصي كلها فلا بد أن يشتغل بطاعة الله. وفي الحديث الصحيح (166) : (كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) ، فالمؤمن لا بد له أن يحب الحسنات ولا بد أن يبغض السيئات، ولا بد أن يسره فعل الحسنة ويسوءه فعل السيئة، ومتى قدر أنه في بعض الأمور ليس كذلك كان ناقص الإيمان. والمؤمن قد تصدر منه السيئة فيتوب منها أو يأتي بحسنات تمحها أو يبتلى ببلاء يكفرها عنه، ولكن لا بد أن يكون كارهًا لها فإن الله أخبر أنه حبب إلى المؤمنين الإيمان، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان. فمن لم يكره الثلاثة لم يكن منهم. ولكن محمد بن ناصر يقول: الفاسق يكرهها تدينًا. فيقال: إن أريد بذلك أن يعتقد دينه حرمها وهو يحب دينه، وهذه من جملته فهو يكرهها. وإن كان يحب دينه مجملًا وليس في قلبه كراهة لها؛ كان قد عدم من الإيمان بقدر ذلك. كما في الحديث الصحيح (167) : (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) . وفي الحديث الآخر الذي في الصحيح أيضًا -"صحيح مسلم" (168) : (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل) ، فعلم أن القلب إذا لم يكن فيه كراهة ما يكرهه لم يكن فيه من الإيمان الذي يستحق به الصواب. وقوله: (من الإيمان) ؛ أي: من هذا الإيمان وهو الإيمان المطلق؛ أي: ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان ولا قدر حبة خردل. والمعنى: هذا آخر حدود الإيمان؛ ما بقي بعد هذا من الإيمان شيء. ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء، بل لفظ الحديث إنما يدل على المعنى الأول.
يبيّن الشيخ (169) -رحمه الله- أن الطيبات والنعم إنما أبيحت للمؤمنين ولم تبح للكفار أخذًا من قوله تعالى: {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32] ، قال: وكذلك قال للرسل: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51] ، وقال تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1] ، وقال الخليل: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ، قال الله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126] ، فالخليل إنما دعا بالطيبات للمؤمنين خاصة والله إنما أباح بهيمة الأنعام لمن حرم ما حرمه الله من الصيد وهو محرم. والمؤمنون أمرهم أن يأكلوا من الطيبات ويشكروه. ولهذا غير سبحانه بين خطاب الناس مطلقًا وخطاب المؤمنين، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة] ؛ فإنما أذن للناس أن يأكلوا مما في الأرض بشرطين: أن يكون طيبًا، وأن يكون حلالًا.
ثم قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ} [البقرة] ، فأذن للمؤمنين في الأكل من الطيبات ولم يشترط الحل، وأخبر أنه لم يحرم عليهم إلا ما ذكره، فما سواه لم يكن محرمًا على المؤمنين. ومع هذا لم يكن أحله بخطابه بل كان عفوًا كما في الحديث عن سلمان موقوفًا ومرفوعًا (170) : (الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه. وما سكت عنه فهو ما عفي عنه) . وفي حديث أبي ثعلبة عن