عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى سماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا ضاحين من كل فج عميق) . وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا يباهي بأهل عرفة الملائكة. ويقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا) (73) ؛ فوصف أنه يدنو عشية عرفة إلى السماء الدنيا ويباهي الملائكة بالحجيج فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا ما أراد هؤلاء؟ فإنه من المعلوم أن الحجيج عشية عرفة ينزل على قلوبهم من الإيمان والرحمة والنور والبركة ما لا يمكن التعبير عنه، لكن ليس هذا الذي في قلوبهم هو الذي يدنو إلى السماء الدنيا ويباهي الملائكة بالحجيج.
وأيضًا فيقال له: وصف نفسه بالنزول كوصفه في القرآن بأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وبأنه استوى إلى السماء وهي دخان وبأنه نادى موسى وناجاه في البقعة المباركة من الشجرة، والمجيء والإتيان في قوله: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر] ، وقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَاتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] .
قال الشيخ (74) -رحمه الله- في رد ما نُسب إلى الإمام أحمد من التأويل، قال: وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية: أن أحمد لم يتأول إلا في ثلاثة أشياء: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض) (75) ، (وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن) (76) ؛ فهذه الحكاية كذب على أحمد لم ينقلها عنه أحد بإسناد، ولا يعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف.
وأيضًا وقع النزاع بين أصحابه هل اختلف اجتهاده في تأويل المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك؟ لأن حنبلًا نقل عنه في المحنة أنهم احتجوا عليه بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف) (77) ، ونحو ذلك من الحديث الذي فيه إتيان القرآن ومجيئه، وقالوا له: لا يوصف بالإتيان والمجيء إلا مخلوق. فعارضهم أحمد بقوله: بأن المراد به مجيء ثواب البقرة وآل عمران، كما ذُكر مثل ذلك من مجيء الأعمال في القبر وفي القيامة، والمراد منه ثواب الأعمال.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اقرؤوا البقرة وآل عمران فإنهما يجيئان يوم القيامة كأنهما غياتيان أو غمامتان أو فرقان من طير صواف يحاجان عن أصحابهما) (78) ، وهذا الحديث في الصحيح. فلما أمروا بقراءاتهما، وذكر مجيئهما يحاجان عن القارئ؛ علم أنه أراد بذلك قراءة القارئ لهما وهو عمله، وأخبر بمجيء عمله الذي هو التلاوة لهما في الصورة التي ذكرها. كما أخبر بمجيء غير ذلك من الأعمال.
والمقصود هنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أخبر بمجيء القرآن في هذه الصورة أراد به الإخبار عن قراءة القارئ التي هي عمله، وذلك هو ثواب قارئ القرآن، ليس المراد به أن نفس كلامه الذي تكلم به وهو قائم بنفسه يتصور صورة غمامتين فلم يكن هذا حجة للجهمية على ما ادعوا.
ثم إن الإمام أحمد في المحنة عارضهم بقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَاتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] قال: قيل: إنما يأتي أمره، هكذا نقل حنبل ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته