فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 400

الاسم هنا صلة. والمراد: تبارك ربك، ليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك، وهذا غلط؛ فإنه على هذا يكون قول المصلي: تبارك اسمك (137) ؛ أي: تباركت أنت، ونفس أسماء الرب لا بركة فيها، ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة وبركتها في جهة دلالتها على المسمى، ولهذا فرقت الشريعة بين ما يذكر اسم الله عليه وما لا يذكر اسم الله عليه، في مثل قوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118] ، وقوله: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ} [الأنعام: 119] ، وقوله: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] ، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعدي بن حاتم: (وإن خالط كلبك كلاب أخرى فلا تأكل! فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره) (138)

وأما قوله تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم} [يوسف: 40] ؛ فليس المراد كما ذكروه: إنكم تعبدون الأوثان المسماة فإن هذا هم معترفون به.

والرب تعالى نفى ما كانوا يعتقدونه وأثبت ضده، ولكن المراد أنهم سموها آلهة واعتقدوا ثبوت الإلهية فيها، وليس فيها شيء من الإلهية، فإذا عبدوها معتقدين إلهيتها مسمين لها آلهة لم يكونوا قد عبدوا إلا أسماء ابتدعوها هم، ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن الله لم يأمر بعبادة هذه ولا جعلها آلهة، كما قال: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف] ؛ فتكون عبادتهم لما تصوروه في أنفسهم من معنى الإلهية وعبروا عنه بألسنتهم، وذلك أمر موجود في أذهانهم وعبروا عن معانيها بألسنتهم، وهم لم يقصدوا عبادة الصنم إلا لكونه إلهًا عندهم، وإلهيته هي في أنفسهم لا في الخارج، فما عبدوا في الحقيقة إلا ذلك الخيال الفاسد الذي عُبر عنه، ولهذا قال في الآية الأخرة: {وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد: 33] ، يقول: سموهم بالأسماء التي يستحقونها؛ هل هي خالقة رازفة محيية مميتة؟ أم هي مخلوقة لا تملك ضرًا ولا نفعًا؟ فإذا سموها فوصفوها بما تستحقه من الصفات تبين ضلالهم، قال تعالى: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ} [الرعد: 33] ، وما لا يعلم أنه موجود فهو باطل لا حقيقة له، ولو كان موجودًا لعلمه موجودًا {أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ} ، أي: بقول ظاهر باللسان لا حقيقة له في القلب بل هو كذب وبهتان.

إلى أن قال (139) -رحمه الله-: وأما احتجاجهم بقوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى] ، وأن المراد: سبح ربك الأعلى. وكذلك قوله: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن] ، وما أشبه ذلك فهذا للناس فيه قولان معروفان، وكلاهما حجة عليهم، منهم قال: الاسم هنا صلة. والمراد: سبح ربك وتبارك ربك، وإذا قيل: هو صلة فهو زائد لا معنى له؛ فيبطل قولهم: إن مدلول لفظ اسم هو المسمى. ومن قال: إنه ليس بصلة بل المراد تسبيح الاسم نفسه فهذا مناقض لقولهم مناقضة ظاهرة.

والتحقيق: أنه ليس بصلة، بل أمر الله بتسبيح اسمه كما أمر بذكر اسمه، والمقصود بتسبيحه وذكره هو تسبيح المسمى وذكره؛ فإن المسبح والذاكر إنما يسبح اسمه ويذكره فيقول: سبحان ربي الأعلى؛ فهو نطق بلفظ: ربي الأعلى، والمراد هو المسمى بهذا اللفظ، فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمى.

شئل شيخ الإسلام (140) ابن تيمية -رحمه الله- عمن زعم أن الإمام أحمد كان من أعظم النفاة للصفات -صفات الله تعالى- وإنما الذين انتسبوا إليه من أتباعه في المذهب، ظنوا أنه كان من أهل الإثبات المنافي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت