فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 400

النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40] ، {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164] ، فليس المراد أن هذا اللفظ هو الرسول وهذا الذي كلمه الله.

وكذلك إذا قيل: جاء زيد. واشْهَد على عمروٍ. وفلان عدل ونحو ذلك. فإنما تذكر الأسماء والمراد بها المسميات. وهذا هو مقصود الكلام. فلما كانت أسماء الأشياء إذا ذكرت في الكلام المؤلف فإنما المقصود هو المسميات. قال هؤلاء: الاسم هو المسمى. وجعلوا اللفظ الذي هو الاسم عند الناس هو التسمية. كما قال البغوي: والاسم هو المسمى وعينه وذاته. قال الله تعالى: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} [مريم: 7] ، أخبر أنه اسمه يحيى. ثم نادى الاسم فقال: {يَا يَحْيَى} [مريم: 12] ، وقال: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا} [يوسف: 40] ، وأراد الأشخاص المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسميات. وقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى] ، {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرحمن: 78] ، قال: ثم يقال للتسمية أيضًا: اسم. واستعماله في التسمية أكثر من استعماله في المسمى.

ثم ذكر الشيخ (136) -رحمه الله- بقية أقوالهم في هذا الموضوع، ثم قال:

قلت: لو اقتصروا على أن أسماء الشيء إذا ذكرت في الكلام فالمراد بها المسميات كما ذكروا في قوله: {يَا يَحْيَى} ونحو ذلك؛ لكان ذلك معنى واضحًا لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك. ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم، لما في قولهم من الأمور الباطلة، مثل دعواهم أن لفظ اسم الذي هو"ألفٌ وسين وميم"معناه ذات الشيء ونفسه أن الأسماء التي هي الأسماء مثل زيدٌ وعمرو هي التسميات ليست هي أسماء المسميات، وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون: إن زيدًا وعمرًا ونحو ذلك هي أسماء الناس. والتسمية: جعل الشيء اسمًا لغيره. والاسم هو القول الدال على المسمى.

وأيضًا فهم تكلفوا هذا التكلف ليقولوا: إن اسم الله غير مخلوق. ومرادهم أن الله غير مخلوق، وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة. فإن أولئك ما قالوا الأسماء مخلوقة إلا لما قال هؤلاء هي التسميات، فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا أهل السنة في اللفظ. ولكن أرادوا به ما لم يسبقهم أحد إلى القول به من أن لفظ اسم وهو"ألف. سين. ميم"معناه إذا أطلق هو الذات المسماة. بل معنى هذا اللفظ هي الأقوال التي هي أسماء الأشياء، مثل زيد وعمرو وعالم وجاهل؛ فلفظ الاسم لا يدل على أن هذه الأسماء هي مسماه، ثم قد عرف أنه إذا أطلق الاسم في الكلام في المنطوم فالمراد به المسمى. فلهذا يقال: ما اسم هذا؟ فيقال: زيد، فيجاب باللفظ، ولا يقال: ما اسم هذا؟ فيقال: هو هو. وما ذكروه من الشواهد حجة عليهم أما قوله: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم: 7] ، ثم قال: {يَا يَحْيَى} ، فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمى لم يقصد نداء اللفظ، لكن المتكلم لا يمكنه نداء الشخص المنادى إلا بذكر اسمه وندائه، فيعرف حينئذٍ أن قصده نداء الشخص المسمى، وهذا من فائدة اللغات، وقد يدعى بالإشارة وليست الحركة هي ذاته ولكن هي دليل على ذاته.

وأما قوله: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن] ؛ ففيها قراءتان: الأكثرون يقرؤون {ذِي الْجَلَالِ} فالرب المسمى هو ذو الجلال والإكرام، وقرأ ابن عامر {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} وكذلك هي في المصحف الشامي، وفي مصاحف أهل الحجاز والعراق هي بالياء. وأما قوله {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن] ؛ فهي بالواو باتفاقهم. قال ابن الأنباري وغيره: {تَبَارَكَ} [الأعراف: 54] تفاعلٌ من البركة. والمعنى أن البركة تكتسب وتنال بذكر اسمه، فلو كان لفظ الاسم معناه المسمى لكان يكفي قوله:"تبارك ربك"؛ فإن الاسم عندهم هو نفس الرب فكان هذا تكريرًا، وقال بعض الناس: إن ذكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت