فهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمدًا لم يَدْعُ الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه، ولهذا اعترف حذاق أهل الكلام كالأشعري وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم، بل المحققون على أنها طريقة باطلة وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدَّعى بها مطلقًا، ولهذا تجد من اعتمد عليها في أصول دينه فأحد الأمرين لازم منه: إما أن يطلع على ضعفها ويقابل بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم فتتكافأ عنده الأدلة، أو يرجح هذا تارة وهذا تارة كما هو حال طوائف منهم.
وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل. كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار! والتزم أبو الهذيل لأجلها انقطاع حركات أهل الجنة. والتزم قوم لأجلها - كالأشعري وغيره: أن الماء والهواء والنار له طعم ولون وريح، ونحو ذلك. والتزم قوم لأجلها وأجل غيرها أن جميع الأعراض كالطعم واللون وغيرهما لا يجوز بقائها بحال؛ لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم لما أثبتوا الصفات لله مع الاستدلال على حدوث الأجسام بصفاتها، فقالوا: صفات الأجسام أعراض؛ أي: أنها تعرض وتزول؛ فلا تبقى بحال صفات الله فإنها باقية.
وأما الجمهور عقلاء بني آدم فقالوا: هذه مخالفة للمعلوم بالحس. والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفي صفات الرب مطلقًا أو نفي بعضها؛ لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها والدليل يجب طرده. والتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به وهو أيضًا في غاية الفساد والضلال، ولهذا التزموا القول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله في الآخرة، وعلوه على عرشه، إلى أمثال ذلك من اللوازم التي التزمها من طَرَد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم، فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين، ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده.
وأما الدين الذي قال فيه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى] ، فذاك له أصول وفروع بحسبه. وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام؛ لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن الرسول. وأما من شرع دينًا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ هو باطل وملزوم الباطل باطل، كما أن ملزوم الحق حق.
بيّن الشيخ (40) - رحمه الله - مقصود السلف في ذمهم لعلم الكلام وأهله وأن مرادهم منع الاستدلال بالأدلة الفاسدة والاعتياض بها عن أدلة الكتاب والسنة، فقال: وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة، وإنما كره الأئمة علم الكلام إذا لم يحتج إليه. ولهذا خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، وكانت صغيرة ولدت بأرض الحبشة؛ لأن أباها كان من المهاجرين إليها، فقال لها: (يا أم خالد هذا سنا) (41) ، والسنا بلغة الحبشة الحسن؛ لأنها كانت من أهل هذه اللغة.