فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 400

واستولت عليه المعاصي؛ فذاك لون آخر وضرب ثان، وأيضًا فإنه لا يعرف من أهل الكلام أحد إلا وله في الإسلام مقالة يُكفِّر قائلها عموم المسلمين حتى أصحابُه، وفي التعميم ما يغني عن التعيين. فأيّ فريق أحق بالحشو والضلال من هؤلاء؟ وذلك يقتضي وجود الردة فيهم كما يوجد النفاق فيهم أكثر. وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال؛ لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها. لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بعث بها وكفَّر مخالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله؛ من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك؛ فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس وإيجابه لها وتعظيم شأنها، ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك.

ثم تجد كثيرًا من رؤسائهم وقع في هذه الأمور فكانوا مرتدين. وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون إلى الإسلام. فقد حكي عن الجهم بن صفوان أنه ترك الصلاة أربعين يومًا لا يرى وجوبها؛ كرؤساء العشائر مثل الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ونحوهم ممن ارتد عن الإسلام ودخل فيه؛ ففيهم من كان يتهم بالنفاق ومرض القلب وفيهم من لم يكن كذلك. فمن صنَّف في مذهب المشركين ونحوهم أحسن أحواله أن يكون مسلمًا؛ فكثير من هؤلاء تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة، وتارة يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة. وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام، كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام، وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته، ورغَّب فيه وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون تاب وعاد إلى الإسلام.

ومن العجب أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد ليسوا أهل نظر واستدلال، وأنهم ينكرون حجة العقل. فيقال لهم: ليس هذا بحق؛ فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن. هذا أصل متفق عليه بينهم، والله قد أمر بالنظر والتفكر والاعتبار والتدبر في غير آية، ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك. بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والاستدلال ولفظ الكلام؛ فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم. فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال، وهذا كما أن طائفة من أهل الكلام تسمي ما وضعته: أصول الدين، وهذا اسم عظيم والمسمى به فيه فساد الدين. فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك؛ قال المبطل: قد أنكروا أصول الدين! وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين، وإنما أنكروا ما سماه المبتدعة أصول الدين. وهي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان. فالدين ما شرعه الله ورسوله وقد بيّن أصوله وفروعه، ومن المحال أن يكون الرسول قد بيّن فروع الدين دون أصوله.

يبيِّن الشيخ (44) - رحمه الله - أن العصمة من الخطأ والنجاة من الضلال إنما يحصلان باتباع الكتاب والسنة، وأن الخطأ والضلال والهلاك إنما يحصل كل منها باتباع الآراء الكلامية والقواعد المنطقية، فيقول - رحمه الله: وعامة هذه الضلالات إنما تَطْرُق من لم يعتصم بالكتاب والسنة، كما كان الزهري يقول: كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسنة هو النجاة. وقال مالك: السنة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وذلك أن السنة والشريعة والمنهاج هو الصراط المستقيم الذي يوصل العباد إلى الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت