فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 400

والرسول هو الهادي الخريت في هذا الصراط؛ كما قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب] ، وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ} [الشورى] ، وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] ، وقال عبد الله بن مسعود (45) : خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: (هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه) . ثم قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] ، وإذا تأمل العاقل الذي يرجو لقاء الله هذا المثال، وتأمل سائر الطوائف من الخوارج ثم المعتزلة ثم الجهمية والرافضة، ومن أقرب منهم إلى السنة من أهل الكلام مثل الكرامية والكلابية والأشعرية غيرهم، وأن كلًا منهم له سبيل يخرج به عما عليه الصحابة وأهل الحديث، ويدعي أن سبيله هو الصواب؛ وجدت أنهم المراد بهذا المثال الذي ضربه المعصوم الذي لا يتكلم عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي.

والعجب أن من هؤلاء من يصرح بأن عقله إذا عارضه الحديث - لا سيما في أخبار الصفات - حمل الحديث على عقله، وصرح بتقديمه على الحديث، وجعل عقله ميزانًا للحديث. فليت شعري هل عقله هذا كان مصرَّحًا بتقديمه على الشريعة المحمدية فيكون من السبيل المأمور باتباعه؟ أم هو عقل مبتدع ضال جاهل حائر خارج عن السبيل؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله!

ثم بيّن الشيخ - رحمه الله - سبب ضلال الاتحادية وأنه كان بسبب الإعراض عن الكتاب والسنة والسير على منهج المتكلمين، فقال: وهؤلاء الاتحادية وأمثالهم إنما أتوا من قلة العلم والإيمان بصفات الله التي يتميز بها عن المخلوقات، وقلة اتباع السنة وطريقة السلف في ذلك. بل قد يعتقدون من التجهم ما ينافي السنة تلقيًا لذلك عن متفلسف أو متكلم؛ فيكون ذلك الاعتقاد صادًا لهم عن سبيل الله كلما أرادت قلوبهم أن تتقرب إلى ربها، وتسلك الصراط المستقيم إليه وتعبده كما فطروا عليه وكما بلغتهم الرسل من علوه وعظمته؛ صرفتهم تلك العوائق المضلة عن ذلك، حتى تجد خلقًا من مقلدة الجهمية يوافقهم بلسانه وأما قلبه فعلى الفطرة والسنة. وأكثرهم لا يفهمون ما النفي الذي يقولونه بألسنتهم، بل يجعلونه تنزيهًا مطلقًا مجملًا.

ثم ذكر الشيخ الحكاية المشهورة التي وقعت لأبي المعالي الجويني وهو يقرر نفي علو الله على خلقه على تلاميذه فاعترض عليه أحد الحاضرين بأن هذا ينافي الفطرة.

وذلك أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مرة والأستاذ أبو المعالي يذكر على المنبر: كان الله ولا عرش، ونفى الاستواء على ما عرف من قوله، فقال الشيخ أبو جعفر: يا أستاذ دعنا من ذكر العرش. أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة؛ فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ فصرخ أبو المعالي ووضع يده على رأسه وقال: حيرني الهمداني، أو كما قال ونزل، فهذا الشيخ تكلم بلسان جميع بني آدم فأخبر أن العرش والعلم باستواء الله عليه إنما أخذ من جهة الشرع وخبر الكتاب والسنة، بخلاف الإقرار بعلو الله على الخلق من غير تعيين عرش ولا استواء. فإن هذا أمر فطري ضروري نجده في قلوبنا نحن وجميع من يدعو الله تعالى؛ فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ والجارية (46) التي قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم: (أين الله؟) قالت: في السماء. قال: (أعتقها فإنها مؤمنة؛ جارية أعجمية) ، أرأيت من فقَّهها وأخبرها بما ذكرته؟ وإنما أخبرت عن الفطرة التي فطرها الله عليها، وأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك وشهد لها بالإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت