فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 400

فقال: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا) (93) ، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر.

وقد أخرجاه في"الصحيحين"عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف على قليب بدر فقال: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا) ؛ وقال: (إنهم ليسمعون الآن ما أقول) . فذكر ذلك لعائشة - رضي الله عنها - فقالت: وهم ابن عمر إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إنهم ليعلمون الآن أن الذي قلت لهم هو الحق. ثم قرأت قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] حتى قرأت الآية (94) ، وأهل العلم بالحديث والسنة اتفقوا على صحة ما رواه أنس وابن عمر وإن كانا لم يشهدا بدرا، فإن أنسا روى ذلك عن أبي طلحة (95) وأبو طلحة شهد بدرًا.

إلى أن قال الشيخ: قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وتنديمًا. وعائشة تأولت فيما ذكرته كما تأولت أمثال ذلك. والنص الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدم على تأويل من تأول من أصحابه وغيره، وليس في القرآن ما ينفي ذلك؛ فإن قوله: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ؛ إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه؛ فإن هذا مثل ضرب للكفار والكفار تسمع الصوت، ولكن لا تسمع سماع قبول بفقه واتباع كما قال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء} [البقرة: 171] ؛ فهكذا الموتى الذي ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار.

فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (96) - رحمه الله - عدة مسائل فأجاب عنها باختصار.

المسألة الأولى: بماذا يخاطب الله الناس يوم القيامة؟ وما لسان أهل الجنة ولسان أهل النار؟

فأجاب: الحمد لله رب العالمين. لا يعلم بأي لغة يتكلم الناس يومئذٍ! ولا بأي لغة يسمعون خطاب الرب - جلا وعلا -؛ لأن الله تعالى لم يخبرنا بشيء من ذلك ولا رسوله - عليه الصلاة والسلام -، ولم يصح أن الفارسية لغة الجهنميين، ولا أن العربية لغة أهل النعيم الأبدي، ولا نعلم في ذلك نزاعًا، بين الصحابة - رضي الله عنهم -، بل كلهم يكفون عن ذلك؛ لأن الكلام في مثل هذا من فضول الكلام لكن حدث في ذلك خلاف بين المتأخرين، فقال ناس: يخاطبون بالعربية. وقال آخرون: إلا أهل النار فإنهم يجيبون بالفارسية وهي لغتهم في النار. وقال آخرون: يتخاطبون بالسريانية لأنها لغة آدم وعنها تفرعت اللغات. وقال آخرون: إلا أهل الجنة فإنهم يتكلمون بالعربية. وكل هذه الأقوال لا حجة لأربابها، لا من طريق عقل ولا نقل. بل هي دعاوى عارية عن الأدلة. والله - سبحانه وتعالى - أعلم وأحكم.

المسألة الثانية: هذا الميزان عبارة عن العدل؟ أم له كفتان؟

فأجاب - رحمه الله - (97) : الميزان هو ما يوزن به الأعمال وهو غير العدل. كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف: 8] ، {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف: 9] ، وقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] ، وفي"الصحيحين"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده. سبحان الله العظيم) (98) ، وقال عن ساقَيْ ابن مسعود: (لَهُما في الميزان أثقل من أحد) (99) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت