وفي الترمذي وغيره من حديث البطاقة (100) ، وصححه الترمذي والحاكم وغيرهما في الرجل يؤتى به فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر فتوضع في كفة، ويؤتى له ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (فطاشت السجلات وثقلت البطاقة) ، وهذا وأمثاله مما يبين أن الأعمال توزن بموازين يتبين بها رجحان الحسنات على السيئات، وبالعكس فهو ما تبين به العدل، والمقصود بالوزن العدل كموازين الدنيا، وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب.
وسئل - رحمه الله - عن الأطفال الذين يموتون ما حكمهم؟ فقال (101) : وأطفال الكفار أصح الأقوال فيهم: أن الله أعلم بما كانوا عاملين؛ كما أجاب بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (102) . وطائفة من أهل الحديث وغيرهم قالوا: إنهم كلهم في النار. وطائفة جزموا أنهم كلهم في الجنة. واحتجوا بحديث رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى إبراهيم الخليل وعنده أطفال المؤمنين، قيل: يا رسول الله! وأطفال المشركين؟ قال: (وأطفال المشركين) (103) ، والصواب أن يقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ولا نحكم لمعين منهم بجنة ولا نار. وقد جاء في عدة أحاديث: أنهم يوم القيامة في عرصات القيامة يؤمرون وينهون، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وهذا هو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة، والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار. وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ، فيقال لأحدهم: من ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟ وقال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42] الآية. وقد ثبت في الصحاح من غير وجه حديث تجلي الله لعباده في الموقف (104) ، إذا قيل: ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون. فيتبع المشركون آلهتهم. ويبقى المؤمنون فيتجلى لهم الرب في غير الصورة التي يعرفون فينكرونه، ثم يتجلى لهم في الصورة التي يعرفونها. فيسجد له المؤمنون وتبقى ظهور المنافقين كقرون البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، وذكر قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم] . والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع.
والسؤال الثالث (105) : عن الكفار هل يحاسبون يوم القيامة أم لا؟
فأجاب - رحمه الله: هذه المسألة تنازع فيها المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم. فممن قال: إنهم لا يحاسبون؛ أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمي والقاضي أبو يعلى وغيرهم. وممن قال: إنهم يحاسبون؛ أبو حفص البرمكي من أصحاب أحمد وأبو سليمان الدمشقي وأبو طالب المكي.
وفصل الخطاب: أن الحساب يراد به عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها، ويراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات؛ فإن أريد بالحساب المعنى الأول فلا ريب أنهم يحاسبون بهذا الاعتبار، وإن أريد المعنى الثاني فإن قُصد بذلك أن الكفار تبقى لهم حسنات يستحقون بها الجنة فهذا خطأ ظاهر، وإن أريد أنهم يتفاوتون في العقاب، فعقاب من كثرت سيئاته أعظم من عقاب من قلت سيئاته، ومن كان له حسنات خفف عنه العذاب. كما أن أبا طالب أخف عذابًا من أبي لهب. وقال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ} [النحل: 88] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37] ، والنار دركات، فإذا كان بعض الكفار عذابه أشد عذابًا من بعض لكثرة سيئاته وقلة حسناته؛ كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخول الجنة.
السؤال الرابع (106) هل العبد المؤمن يكفر بالمعصية أم لا؟