أما أولًا: فقوله: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه) ؛ صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله ولا هو نفس يمينه؛ لأنه قال: (يمين الله في الأرض) ، وقال: (فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه) ؛ ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به. ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه؛ فكيف يجعل ظاهره كفرًا لأنه محتاج إلى التأويل؟ مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس.
وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسرًا: (ويقول الله: عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين. فيقول أما علمت أن عبدي فلانًا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي مرضت فلم تعدني. فيقول: رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده) . وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع. ولكن مرض عبده وجاع عبده مفسرًا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده. فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل.
وأما قوله: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن) ؛ فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع ولا مماس لها ولا أنها في جوفه. ولا في قول القائل: هذا بين يدي؛ ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: السحاب المسخر بين السماء والأرض لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض. ونظائر هذا كثيرة.
يقول (19) - رحمه الله: ومما يشبه هذا القول أن يجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله؛ كما قيل في قوله: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فقيل: هو مثل قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71] ، فهذا ليس مثل هذا؛ لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي فصار شبيهًا بقوله: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] ، وهنا أضاف الفعل إليه فقال: (لما خلقت) ثم قال: (بيدي) . وأيضًا فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية كما في قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] ، وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] ، وهذا في الجمع نظير قوله: {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} في المفرد. فالله - سبحانه وتعالى - ذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهرًا أو مضمرًا. وتارة بصيغة الجمع كقوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح: 1] وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحق، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك.
إلى أن ذكر القاعدة الرابعة: وهي أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:
أحدها: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النص هو التمثيل.
الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله؛ بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص وظنه السيئ الذي يظنه بالله ورسوله حيث ظن أن الذي