القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ربه فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرف لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة، وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده؛ فإن أراد حقًا قبل، وإن أراد باطلًا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى.
ثم ضرب الشيخ - رحمه الله - مثلًا لذلك فقال (13) : كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك؛ فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه كما فيه إثبات لفظ العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك. وقد علم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق - سبحانه وتعالى - مباين للمخلوق؛ ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق! فالله ليس داخلًا في المخلوقات؟ أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة؛ أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل.
وكذلك لفظ التحيز؛ إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وقد قال الله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] ، وقد ثبت في الصحاح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك. أين ملوك الأرض) (14) وفي حديث ابن عباس: (ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) (15) ، وإن أراد بالتحيز أنه منحاز عن المخلوقات؛ أي: مباين لها منفصل عنها ليس حالًّا فيها فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سماواته على عرشه بائن في خلقه.
ثم قال - رحمه الله:
القاعدة الثالثة: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد أو ظاهر النصوص ليس بمراد؛ فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك؛ فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال، والذين يجعلون ظاهرها ذلك؛ يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك. وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل. فالأول كما قالوا في قوله: (عبدي جعت فلم تطعمني. . .) (16) الحديث، وفي الأثر الآخر: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه أو قبّله فكأنما صافح الله وقبّل يمينه) (17) ، وقوله: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن) (18) ، فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق، فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق.