وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته أو مشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات؛ فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها. فإذا كان من نفى صفات الروح جاحدًا معطلًا لها، ومن مثَّلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلًا ممثلًا لها بغير شكلها وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات مستحقة لما لها من الصفات؛ فالخالق - سبحانه وتعالى - أولى أن يكون من نفى صفاته جاحدًا معطلًا، ومن قاسه بخلقه جاهلًا به ممثلًا وهو - سبحانه وتعالى - ثابت بحقيقة الإثبات مستحق لما له من الأسماء والصفات.
ثم ذكر الشيخ قواعد نافعة في هذا الباب فقال (12) :
القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي؛ فالإثبات كإخباره بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك. والنفي كقوله: {لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255] . وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال. فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح كقوله تعالى: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} [البقرة: 255] إلى قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] ؛ أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها. بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة؛ فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته، وكذلك قوله: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 3] ، وكذلك قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38] ؛ فإن نفي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.
وكذلك قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] ؛ إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة؛ كما قاله أكثر العلماء، ولم ينف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدح؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يحاط به وإن رؤي. فكما أنه إذا علم لا يحاط به علمًا فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية. فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
أقول: وبهذا التقرير الواضح كشف - رحمه الله - الشبهة التي يوردها نفاة الرؤية، وهي استدلالهم بهذه الآية على نفي الرؤية، وهي لم تنفها وإنما نفت الإدراك، والإدراك غير الرؤية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في سياق القواعد التي يبنى عليها مذهب السلف في إثبات أسماء الله وصفاته: