فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 400

طلب لرجع النفس إلى البدن؛ كما قال في الواقعة: {فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الواقعة] ، وهو يبين أن النفس موجودة تفارق البدن بالموت. قال تعالى: {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100] .

وسئل الشيخ - رحمه الله - عن الروح المؤمنة، أن الملائكة تتلقاها وتصعد بها إلى السماء التي فيها الله؟

فأجاب - رحمه الله - بقوله (52) : أما الحديث المذكور في قبض روح المؤمن، وأنها يصعد بها إلى السماء التي فيها الله؛ فهذا حديث معروف جيد الإسناد.

وقوله:"فيها الله"؛ بمنزلة قوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك] ، وبمنزلة ما ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجارية معاوية بن الحكم: (أين الله؟) قالت: في السماء. قال: (من أنا؟) قالت: أنت رسول الله. قال: (أعتقها فإنها مؤمنة) (53) ، وليس المراد بذلك أن السماء تحصر الرب وتحويه كما تحوي الشمس والقمر وغيرهما؛ فإن هذا لا يقوله مسلم، ولا يعتقده عاقل فقد قال سبحانه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255] والسماوات في الكرسي كحلقة ملقاة في أرض فلاة، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة، والرب سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. وقال تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] ، وقال: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} [التوبة: 2] ، وقال: {يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 26] ، وليس المراد أنهم في جوف النخل وجوف الأرض، بل معنى ذلك أنه فوق السماوات وعليها، بائن من المخلوقات؛ كما أخبر في كتابه أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش. وقال: {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] ، وقال تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] ، وقال: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] ، وأمثال ذلك في الكتاب والسنة. والله أعلم.

فقد سئل الشيخ - رحمه الله - عن مسائل تتعلق بالأموات وأحوالهم في القبور؛ فسئل هل يتكلم الميت في القبر؟

فقال (54) : فأما سؤال السائل: هل يتكلم الميت في قبره؟ فجوابه أنه يتكلم، وقد يسمع أيضًا من كلّمه؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إنهم يسمعون قرع نعالهم) (55) ، وثبت عنه في الصحيح أن الميت يُسأل في قبره، فيقال له: (من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فيقول: الله ربي. والإسلام ديني. ومحمد نبيي. ويقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول المؤمن: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه) (56) . وهذا تأويل قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم] ، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها نزلت في عذاب القبر (57) وكذلك يتكلم المنافق. فيقول: هاه. هاه. لا أدري. سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته. فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، وثبت عنه في"الصحيح"أنه قال: (لولا أن لا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم عذاب القبر مثل ما أسمع) (58) ، وثبت عنه في الصحيح أنه نادى المشركين يوم بدر لما ألقاهم في القليب. وقال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) (59) . والآثار في هذا كثيرة منتشرة. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت