كدنوه عشية عرفة معلق بأفعالٍ؛ فإن في بلاد الكفر ليس فيهم من يقوم الليل فلا يحصل لهم هذا النزول، كما أن دنوه عشية عرفة لا يحصل لغير الحجاج في سائر البلاد؛ إذ ليس لها وقوف مشروع ولا مباهاة الملائكة.
وكما أن تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب النار وتصفيد الشياطين (42) إذا دخل شهر رمضان إنما هو للمسلمين الذين يصومونه، لا الكفار الذين لا يرون له حرمة. وكذا إطلاعه يوم بدر وقوله لهم: (اعملوا ما شئتم) (43) كان مختصًا بأولئك أم هو عام؟ فيه كلام.
والكلام في هذا القرب من جنس الكلام في نزوله كل ليلة ودنوه عشية عرفة وتكليمه لموسى من الشجرة، وقوله: {أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} [النمل: 8] .
ثم ذكر الشيخ (44) -رحمه الله- مسألة، هل يخلو منه العرش حين نزوله سبحانه إلى سماء الدنيا أو لا يخلو أو يتوقف في ذلك؟ ثم قال: والصواب قول السلف: أنه ينزل ولا يخلو منه العرش، وروح العبد في بدنه ليلًا ونهارًا لا تزال إلى أن يموت ووقت النوم تعرج، وقد تسجد تحت العرش، وهي لم تفارق جسده. وكذلك أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وروحه في بدنه. وأحكام الأرواح مخالف لأحكام الأبدان فكيف بالملائكة؟ فكيف برب العالمين؟
والليل يختلف فيكون ثلثه بالمشرق قبل أن يكون ثلثه بالمغرب، ونزوله تعالى الذي أخبر به رسوله إلى سماء هؤلاء في ثلث ليلهم، وإلى سماء هؤلاء في ثلث ليلهم؛ لا يشغله شأن عن شأن. وكذلك قربه من الداعي المتقرب إليه والساجد لكل واحد بحسبه حيث كان وأين كان. والرجلان يسجدان في موضع ولكل واحد قرب يخصه لا يشركه فيه الآخر. والنصوص الواردة فيها الهدى والشفاء والذي بلَّغها بلاغًا مبينًا هو أعلم الخلق بربه وأنصحهم لخلقه وأحسنهم بيانًا وأعظمهم بلاغًا؛ فلا يمكن أن يُعلِّم ويقول مثل ما علَّمه الرسول وقاله، وكل من منَّ الله عليه ببصيرة في قلبه تكون معه معرفة بهذا، ثم قال تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ] ، وقال في ضدهم: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَا يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام] .
ثم بيّن الشيخ -رحمه الله- معنى (الظاهر) من أسماء الله سبحانه فقال: وقوله تعالى:"الظاهر"ضُمّن معنى العالي كما قال: {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ} [الكهف: 97] ، ويقال: ظهر الخطيب على المنبر، وظاهر الثوب أعلاه، بخلاف بطانته، وكذلك ظاهر البيت أعلاه، وظاهر القول ما ظهر منه وبان، وظاهر الإنسان خلاف باطنه، فكلما علا الشيء ظهر. ولهذا قال: (أنت الظاهر فليس فوقك شيء) (45) ؛ فأثبت الظهور وجعل موجب الظهور أنه ليس فوقه شيء. ولم يقل: ليس شيء أبينُ منك ولا أعرف.
وبهذا تبين خطأ من فسر"الظاهر"بأنه المعروف كما يقوله من يقول: الظاهر بالدليل الباطن بالحجاب؛ كما في كلام أبي الفرج وغيره؛ فلم يذكروا مراد الله ورسوله، وإن كان الذي ذكره له معنى صحيح.