كيف يا رسول الله، وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله. هذا القمر كلكم يراه مخليًا به وهو آية من آيات الله فالله أكبر) ، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (30)
وقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) (31) ، فشبه الرؤية بالرؤية وإن لم يكن المرئي مشابهًا للمرئي. فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر ولا منافاة أصلًا، ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله يكون إقراره للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد.
رد الشيخ (32) رحمه الله على الذين يقولون: إن طريقة السلف تفويض نصوص الصفات من غير اعتقاد لما يدل عليه ظاهرها، فقال رحمه الله: واعلم أن من المتأخرين من يقول: مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به من اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، وهذا اللفظ مجمل فإن قوله: (ظاهرها غير مراد) ، يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين، مثل أن يراد بكون الله قبل وجه المصلي أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه، وأن الله معنا ظاهره أنه إلى جانبنا ونحو ذلك، فلا شك أن هذا غير مراد.
ومن قال: إن مذهب السلف أن هذا غير مراد، فقد أصاب في المعنى لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث. فإن هذا المحال ليس هو الظاهر، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع يظهر لبعض الناس، فيكون القائل لذلك مصيبًا بهذا الاعتبار معذورًا في هذا الإطلاق، فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس وهو من الأمور النسبية. وكان الأحسن من هذا: أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر، حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظًا ومعنى.
وإن كان الناقل عن السلف أراد بقوله: (الظاهر غير مراد عندهم) ، أن المعاني التي تظهر من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته ولا يختص بصفة المخلوقين، بل هي واجبة لله وجائزة عليه جوازًا ذهنيًا، أو جوازًا خارجيًا غير مراد فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف أو تعمد الكذب. فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل لا نصًا ولا ظاهرًا أنهم يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر ولا يد حقيقة.
وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة أهل السلف. بمعنى أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه وتعالى ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها لمسيس الحاجة إلى ذلك. ويقولون: الفرق بين الطريقتين أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل وأولئك لا يعينون لجواز أن يراد غيره. وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف. أما في كثير من الصفات فقطعًا مثل أن الله تعالى فوق العرش. فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط. وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك.