والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف: ما رأيت كلام أحد منهم يدل لا نصًا ولا ظاهرًا، ولا بالقرائن على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر. بل الذي رأيته من كلامهم يدل - إما نصًا وإما ظاهرًا - على تقرير جنس هذه الصفات، ولا نقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة. بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة وما رأيت أحدًا منهم نفاها وإنما ينفون التشبيه وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، مع إنكارهم على من ينفي الصفات أيضًا. كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها.
وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات، قالوا: هذا جهمي معطل. وهذا كثير جدًا في كلامهم. فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئًا من الصفات: مشبهًا كذبًا منهم وافتراء، حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم بذلك، حتى قال ثمامة بن الأشرس من رؤساء الجهمية: ثلاثة من الأنبياء مشبهة: موسى حيث قال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} [الأعراف: 155] ، وعيسى حيث قال: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116] ، ومحمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: (ينزل ربنا) (33) ، وحتى إن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة مثل مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه والأوزاعي وأصحابه والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم في قسم المشبهة. وقد صنف أبو إسحاق بن عثمان بن درباس الشافعي جزءًا سماه"تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة"ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب أهل السنة بلقب افتراه يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد، كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي بألقاب افتروها، فالروافض تسميهم نواصب. والقدرية يسمونهم مجبرة. والمرجئة تسميهم شكاكًا. والجهمية تسميهم مشبهة. وأهل الكلام يسمونهم حشوية ونوابت وغثاء وغثراء إلى أمثال ذلك. كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم تارة مجنونًا وتارة شاعرًا وتارة كاهنًا وتارة مفتريًا. قالوا: فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة. فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتقادًا واقتصادًا وقولًا وعملًا. فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة وإن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة، فكذلك التابعون على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات باطنًا وظاهرًا وأما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، والذين وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن، والذين وافقوه ظاهرًا وباطنًا بحسب الإمكان، فلا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصًا يذمونهم به.
قلت: ولا يزال هذا مستمرًا في الناس ففي أيامنا هذه وجد من يعير العلماء بعلماء الحيض والنفاس، حيث تبرؤوا من الانتماءات المخالفة لمنهج السلف الصالح، والله المستعان.