نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف] ، فإنه يراد برؤيته وسمعه إثبات علمه بذلك، وأنه يعلم هل ذلك خير أو شر، فيثيب على الحسنات ويعاقب على السيئات.
وكذلك إثبات القدرة على الخلق كقوله: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ} [العنكبوت: 22] ، وقوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت] ، والمراد التخويف بتوابع السيئات ولوازمها من العقوبة والانتقام، وهكذا كثير مما يصف الرب نفسه بالعلم بأعمال العباد تحذيرًا وتخويفًا ورغبة للنفوس في الخير، ويصف نفسه بالقدرة والسمع والرؤية والكتاب. فمدلول اللفظ مراد منه، وقد أريد أيضًا لازم ذلك المعنى، فقد أريد ما يدل عليه اللفظ في أصل اللغة بالمطابقة والالتزام فليس اللفظ مستعملًا في اللازم فقط، بل أريد به مدلوله الملزوم ذلك حقيقة.
وأما القرب فذكره تارة بصيغة المفرد كقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ} [البقرة: 186] ، وفي الحديث: (اربعوا على أنفسكم) (9) ، إلى أن قال: (إن الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) (10) ، وتارة يذكره بصيغة الجمع كقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} [الواقعة: 85] ، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ} [ق: 16] ، وهذا مثل قوله: {نَتْلُو عَلَيْكَ} [القصص: 3] ، و {نَقُصُّ عَلَيْكَ} [الأعراف: 101] ، و {عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 17] ، و {عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] ، فالقراءة هنا حين يسمعه جبريل، والبيان هنا لمن يَبلُغه القرآن. ومذهب سلف الأمة وأئمتها وخَلَفِها: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع القرآن من جبريل، وجبريل سمعه من الله عز وجل. وأما قوله: {نتلو} و {نقص} ونحوه، فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم الذي له أعوان يطيعونه. فإذا فعل أعوانه فعلًا بأمره قال: فعلنا. كما يقول الملك: نحن فتحنا هذا البلد وهزمنا هذا الجيش ونحو ذلك، ومن هذا الباب قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ} [الزمر: 43] ، فإنه سبحانه يتوفاها برسله الذين مقدمهم ملك الموت كما قال: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام: 61] ، {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ} [السجدة: 11] ، وكذلك ذوات الملائكة تقرب من المحتضر. وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيد} [ق: 16] ، فإنه سبحانه هو وملائكته يعلمون ما توسوس به نفس العبد من حسنة وسيئة، والهم في النفس قبل العمل، فقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيد} هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله.
ذكر شيخ الإسلام (11) ابن تيميه رحمه الله بطلان تأويل المتأولين لاستواء الله على عرشه بأنه الاستيلاء من وجوه:
أحدها: أن هذا التفسير لم يفسره أحد من السلف من سائر المسلمين من الصحابة والتابعين، فإنه لم يفسره أحد في الكتب الصحيحة عنهم، بل أول من قال ذلك بعض الجهمية والمعتزلة، كما ذكر أبو الحسن الأشعري في كتاب"المقالات"وكتاب"الإبانة".
الثاني: أن معنى هذه الكلمة مشهور، ولهذا لما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} [طه] ، قالا: الاستواء معلوم. والكيف مجهول. والإيمان به واجب. والسؤال عنه بدعة. ولا يريدان الاستواء معلوم في اللغة دون الآية، لأن السؤال عن الاستواء في الآية.