فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 400

فأما إذا كان مستحبًا في العبادة لم ينفها بانتفاء المستحب؛ فإن هذا لو جاز لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج؛ لأنه ما من عملٍ إلا وغيره أفضل منه.

وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ولا أبو بكر ولا عمر، فلو كان من لم يأتي بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين. وهذا لا يقوله عاقل. فمن قال: إن المنفي هو الكمال فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق. وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ولا يجوز أن يقع؛ فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئًا لم يجز أن يقال: ما فعله لا حقيقة ولا مجازًا.

فإذا قال للمسيء من صلاته: (ارجع فصل فإنك لم تصل) (32) وقال لمن صلى خلف الصف وقد أمره بالإعادة: (لا صلاة لفذ خلف الصف) (33) ؛ كان لترك واجب. وكذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] يبين أن الجهاد واجب وترك الارتياب واجب، والجهاد وإن كان فرضًا على الكفاية فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء فعليهم كلهم اعتقاد وجوبه والعزم على فعله إذا تعين، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق) . رواه مسلم (34) ؛ فأخبر أنه من لم يهم به كان على شعبة نفاق.

وأيضًا فالجهاد جنس تحته أنواع متعددة، ولا بد أنه يجب على المؤمن نوع من أنواعه، وكذلك قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال] ، هذا كله واجب. فإن التوكل على الله واجب من أعظم الواجبات. كما أن الإخلاص لله واجب، وحب الله ورسوله واجب، وقد أمر الله بالتوكل في غير آية أعظم مما أمر بالوضوء والغسل من الجنابة، ونهى عن التوكل على غير الله قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] ، وقال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التغابن] ، وقال تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160] ، وقال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: 84] .

وأما قوله: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] ، فيقال: من أحوال القلب وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه بحيث إذا كان الإنسان مؤمنًا لزم ذلك بغير قصد منه ولا تعمد له، وإذا لم يوجد دل على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب وهذا كقوله: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] ؛ فأخبر أنك لا تجد مؤمنًا يواد المحادين لله ورسوله؛ فإن نفس الإيمان ينافي موادتهم كما ينفي أحد الضدين الآخر (35)

قال - رحمه الله - في بيان نوع شرك المشركين الأولين الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستحل دماءهم وأموالهم؛ ليتضح من هذا البيان أن من فعل مثل فعلهم فحكمه حكمهم، وإن كان ينتسب إلى الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت