فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 400

وأما كيف يحصل اليقين؟ فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن. والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآيات التي تُبيِّن أنه حق. والثالث: العمل بموجب العلم. قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت] ، والضمير عائد على القرآن، كما قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ْ [فصلت] الآية.

وأما قول طائفة من المتفلسفة ومن تبعهم من المتكلمة والمتصوفة: أن الضمير عائد على الله، وأن المراد ذكر طريق من عرفه بالاستدلال بالعلم؛ فتفسير الآية بذلك خطأ من وجوه كثيرة، وهو مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. فبيَّن سبحانه أنه يُري الآيات المشهودة ليبين صدق الآيات المسموعة، مع أن شهادته بالآيات المسموعة كافية.

رد الشيخ (1) على جماعة المتكلمين الذين يهونون من أدلة القرآن ويزعمون أنها أدلة خبرية يتوقف العلم بها على صدق المخبر، وليست أدلة عقلية يقينية بزعمهم! يقول - رحمه الله- في هذا الموضوع: لأنه سبحانه لم يدل عباده بالقرآن بمجرد الخبر كما يظنه طوائف من أهل الكلام؛ يظنون أن دلالة القرآن إنما هو بطريق الخبر، والخبر موقوف على العلم بصدق المخبر الذي هو الرسول، والعلم بصدقه موقوف على إثبات الصانع، والعلم بما يجوز ويمتنع عليه والعلم بجواز بعثة الرسل والعلم بالآيات الدالة على صدقهم. ويسمون هذه الأصول العقليات؛ لأن السمع عندهم موقوف عليها، وهذا غلط عظيم وهو من أعظم ضلال طوائف من أهل الكلام والبدع؛ فإن الله سبحانه بيّن في كتابه ما يُحتاج إليه في أصول الدين؛ قرر فيه التوحيد والنبوة والمعاد بالبراهين التي لا تنتهي إلى تحقيقها نظر، إلى أن قال:

وأما الآيات المشهودة فإن ما يُشهد وما يُعلم بالتواتر من عقوبات مكذبي الرسل، ومن عصاهم ومن نصر الرسل، وأتباعهم على الوجه الذي وقع، والله عُلم من إكرام الله تعالى لأهل طاعته وجعل العاقبة لهم وانتقامه من أهل معصيته وجعل الدائرة عليهم؛ فيه عبرة تُبيِّن أمره ونهيه ووعده ووعيده وغير ذلك مما يوافق القرآن، ولهذا قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا} [الحشر] ؛ فهذا بيَّن الاعتبار في أصول الدين، وإن كان قد تناول الاعتبار في فروعه. وكذلك قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} إلى قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت