ثم بيَّن - رحمه الله- فائدة العمل بالعلم ومضرة ترك العمل به، فقال: وأما العمل؛ فإن العمل بموجب العلم يثبته ويقرره، ومخالفته تضعفه بل قد تذهبه، قال الله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف] ، وقال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110] ، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66] الآيات. وقال: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} [المائدة] الآية، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الحديد: 28] الآية.
ثم بين - رحمه الله- المراد بالعلم هنا فقال: وأما المراد بالعلم فيراد به في الأصل نوعان: أحدهما: العلم به - أي الله-، وبما هو متصف به من نعوت الجلال والإكرام، وما دلت عليه أسماؤه الحسنى، وهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة؛ فإنه لا بد من أن يعلم أن الله يثيب على طاعته ويعاقب على معصيته كما شهد به القرآن والعيان، وهذا معنى قول أبي حيان التيمي أحد أتباع التابعين: العلماء ثلاثة؛ عالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، وعالم بالله وأمره؛ فالعالم بالله الذي يخشى الله، والعالم بأمر الله الذي يعرف الحلال والحرام. وقال رجل للشعبي: أيها العالم! فقال: إنما العالم من يخشى الله. وقال عبد الله بن مسعود: كفى بخشية الله علمًا (2) وكفى بالاغترار بالله جهلًا.
والنوع الثاني: من أنواع العلم، العلم بالأحكام الشرعية كما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه ترخَّص في شيء فبلغه أن أقوامًا تنزهوا عنه. فقال: (ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها؟ والله إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له) (3) ، وفي رواية: (والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده) (4) ، فجعل العلم به هو العلم بحدوده. وقريب من ذلك قول بعض التابعين في صفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- حيث قال: إن كان الله في صدري لعظيمًا، وإن كنت بذات الله لعليمًا. وأراد بذلك أحكام الله؛ فإن لفظ الذات في لغتهم لم يكن كلفظ الذات في اصطلاح المتأخرين، بل يراد به ما يضاف إلى الله؛ كما قال خبيب - رضي الله عنه-:
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ** يبارك على أوصال شلو ممزع (5)
ومنه الحديث: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات؛ كلها في ذات الله) (6) ، ومنه قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال] ، {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الحديد] ، ونحو ذلك. فإن ذات تأنيث ذو وهو يستعمل مضافًا يتوصل به إلى الوصف بالأجناس؛ فإذا كان الموصوف مذكرًا قيل: ذو كذا. وإن كان مؤنثًا قيل: ذات كذا، فإن قيل: أصيب فلان في ذات الله، فالمعنى في جهته ووجهته؛ أي: فيما أمر به وأحبه ولأجله. ثم إن الصفات لما كانت مضافة إلى النفس فيقال في النفس أيضًا: إنها ذات علم وقدرة ونحو ذلك، حذفوا الإضافة وعرفوها، فقالوا: الذات الموصوفة؛ أي: النفس الموصوفة.
ثم تطرق الشيخ - رحمه الله- إلى البحث في الصفات؛ هل هي زائدة عن الصفات أو لا؟ وذكر الخلاف في ذلك مطولًا مما لا يتسع المجال لذكره هنا، وقد تبين مما سبق اقتباسه أن علم الكتاب والسنة هو العلم الصحيح المفيد لليقين، لا قواعد المتكلمين؛ لأن علم الكتاب والسنة تنزيل من حكيم حميد. وقواعد المتكلمين من وضع البشر وتخرصاتهم فلا يجوز الاعتماد عليها في أسماء الله وصفاته ودينه وشرعه؛ لأنها كثيرًا ما أوقعت في أوهام وقد ضمن الله سبحانه وتعالى الهداية لمن تمسك بكتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] ، وقال في حق