فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 400

بي شيئًا، والتي لك: عملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه، والتي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعليّ الإجابة، والتي بينك وبين خلقي: فأتِ لهم ما تحب أن يأتوه إليك) (16) ، وما يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو من فضله وإحسانه وهو وسيلة إلى ذلك المحبوب، وهو إنما يحبه لكونه طريقًا إلى عبادته، والعبد يطلب ما يحتاج أولًا، وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة وإلى الهداية إلى الصراط المستقيم، وبذلك يصل إلى العبادة.

وقال (17) - رحمه الله: وبعض الناس يقول: إني أخافك يا الله وأخاف من لا يخافك! وهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحدًا؛ فإن من لا يخاف الله أذلُّ من أن يُخاف فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه. وإذا قيل: قد يؤذيني. قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه. فالأمر لله وإنما يسلِّط على العبد بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك شر كل شر ولم يسلطه عليك؛ فإنه قال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] ، وتسليطه يكون بسبب ذنوبك وخوفك منه. فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك واستغفرته لم يسلط عليك، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] .

هذه مقتطفات من كلام الشيخ - رحمه الله - على هذا الموضوع الجليل: موضوع التعامل مع الله، والتعامل مع الناس، والتعامل مع النفس، وأن من أصلح معاملته مع الله فعبده حق عبادته ولم يعبد أحدًا سواه كفاه شر الناس وشر نفسه وأمنَّه مما يخاف. وأما من خاف الناس فأرضاهم بما يسخط الله فإن الله يعكس عليه مطلوبه ويسلط عليه عدوه ويصبح عمله وبالًا عليه. فيجب على المسلم أن يخشى الله، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم، ويكف عدوانه عن الناس، ويكف نفسه عن المعاصي، وينصح لإخوانه المسلمين. هذا هو السبيل الصحيح. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

فوائد من قوله تعالى:{اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}

فوائد جليلة في معنى قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة] . قال (18) - رحمه الله: وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم. والنصارى ضالون) (19) ، وكتاب الله يدل على ذلك في مواضع مثل قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة: 60] ، وقوله: {فَبَآؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} [البقرة: 90] ، وقوله: {وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} [آل عمران: 112] ، وذكر آيات في هذا المعنى تدل على أن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون؛ مصداقًا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

ثم قال - رحمه الله: ولما أمرنا الله سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين. كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه من الانحراف إلى هذين الطريقين، وقد وقع ذلك كما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) . قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: (فمن) ؟. وهو حديث صحيح (20)

وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود. ومن انحرف من العُبَّاد ففيه شبه من النصارى؛ كما يُرى في أصول منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب، والبخل بالعلم، والكبر، وأمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم، وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت