وكما يُرى في منحرفة أهل العبادة والأحوال من الغلو في الأنبياء والصالحين والابتداع في العبادات، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم. فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) (21)
ولهذا يشرع في التشهد وفي سائر الخطب المشروعة كخطب الجمع والأعياد وخطب الحاجات عند النكاح وغيره أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (22)
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحقق عبوديته لئلا تقع الأمة فيما وقعت فيه النصارى في المسيح من دعوى الألوهية، حتى قال رجل: ما شاء الله وشِئت، فقال: (أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده) (23) . وقال: (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) (24) . وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد! اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (25) فمن توهم في نبينا أو غيره من الأنبياء شيئًا من الألوهية والربوبية فهو من جنس النصارى.
وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسنة عنهم، قال تعالى في خطابه: {وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [المائدة: 12] ، والتعزير: النصر والتوقير والتأييد. وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 8، 9] ، فهذا في حق الرسول، ثم قال في حق الله تعالى: {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} ، وقال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف] ، وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن ثم ذكر - رحمه الله - جملة منها، ثم قال (26) :
فقد بين الله في كتابه حقوق الرسول: من الطاعة له، ومحبته وتعزيره وتوقيره ونصره، وتحكيمه، والرضى بحكمه والتسليم له واتباعه والصلاة والتسليم عليه، وتقديمه على النفس والأهل والمال، ورد ما يُتنازع فيه إليه، وغير ذلك من الحقوق.
وأخبر أن طاعته طاعتُه فقال: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 8] ، ومبايعته فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] ، وقرن بين اسمه واسمه في المحبة فقال: {أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 24] ، وفي الطاعة والمعصية فقال: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 13] {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 14] ، وفي الأذى فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 57] ؛ فهذا ونحوه هو الذي يستحقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بأبي هو وأمي! فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له؛ كما قال: {وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] ، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ؛ ثم ذكر آيات كثيرة في هذا المعنى، ثم قال (27) - رحمه الله: وتوحيد الله وإخلاص الدين له عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًا، بل هو قلب الإيمان وأول الإسلام وآخره. إلى أنه قال: وعبادة الله وحده ومتابعة الرسول فيما جاء به هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.