فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 400

أبدى الشيخ (13) ـ رحمه الله ـ مقارنة بين مذهب السلف في أسماء الله وصفاته وبين مذاهب مخالفيهم، فقال: ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل؛ فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه. ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ويحرفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل. أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثلوا أولًا وعطلوا آخرًا، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله سبحانه وتعالى.

فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش، أو أصغر منه أو مساويًا! وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام؛ فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم. أما استواء يليق بجلال الله تعالى ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة، التي يجب نفيها كما يلزم من سائر الأجسام. وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون جوهرًا أو عرضًا وكلاهما محال إذ لا يعقل موجود إلا هذان. وقوله: إذا كان مستويًا على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير والفلك إذا لا يعلم الاستواء إلا هكذا؛ فإن كليهما مثل وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين.

والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم وعلم كل شي قدير وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم؛ فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق لوازمها. واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلًا، ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب من أمر مريج؛ فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علمًا وقدرة، وأن يكون كلامة غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، وبل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل. ويكفيك دليلًا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل؛ بل منهم من يزعم أن العقل جوز وأوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحال. فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟ فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لجدل هؤلاء؟

وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر، وهو من وجوه:

أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك.

والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت