بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان] ، ثم بيّن قدرته العامة بقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس] .
يواصل شيخ الإسلام (38) ابن تيمية - رحمه الله - البيان بأن الله سبحانه بيّن لعباده أصول الدين بالأدلة العقلية والبراهين القطعية، عكس ما يدعيه علماء الكلام من خلو القرآن من البراهين العقلية وأنه مجرد أخبار تعتمد على صدق المخبر، فيقول - رحمه الله:
وكذلك ما استعمله سبحانه في تنزيهه وتقديسه عما أضافوه إليه من الولادة، سواء سموها حسية أو عقلية كما تزعمه النصارى من تولد الكلمة - التي جعلوها جوهر الابن - منه، وكما تزعمه الفلاسفة والصابئون من تولد العقول العشرة والنفوس الفلكية التسعة، وكما يزعمه مشركو العرب الذين جعلوا له بنين وبنات، قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام] ، وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الصافات] ، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله.
كما يزعم هؤلاء - الفلاسفة: أن العقول أو العقول والنفوس هي الملائكة، وهي متولدة عن الله، فقال الله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} إلى قوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ} [النحل] ، وقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف] ، وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} إلى قوله {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم] ؛ أي: جائرة، وغير ذلك من القرآن.
فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم؛ فكيف تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم وتَسْتَخْفون من إضافته إليكم مع أنه واقع لا محالة ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه، وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم؟
وكذلك قوله في التوحيد: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} [الروم: 28] ، أي: كخيفة بعضكم بعضًا كما في قوله: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 85] ؛ فبين سبحانه أن المخلوق لا يكون مملوكه شريكه فيما له حتى يخاف مملوكه كما يخاف نظيره، بل تمتنعون أن يكون المملوك لكم نظيرًا؛ فكيف ترضون لي أن تجعلوا ما هو مخلوقي ومملوكي شريكًا لي يُدعَى ويُعبَد، كما أُدعى وأُعبد؟ كما كانوا يقولون في تلبيتهم (39) : لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
ثم نفى الشيخ أن تكون القواعد التي وضعها المتكلمون وهي المقدمات والنتائج التي يضعونها مثل الجسم والجواهر والعرض. . إلى آخره، هي الطرق التي يُستدل بها على إثبات العقائد حيث قال - رحمه الله: