فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 400

وقال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء] ، فإذا كان قد حض الكفار والمنافقين على تدبره، علم أن معانيه مما يمكن الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها، فكيف لا يكون ذلك ممكنًا للمؤمنين؟ وهذا يبين أن معانيه كانت معروفة بينة لهم.

يواصل الشيخ رحمه الله بيان أن السلف كانوا يعلمون معاني القرآن الكريم، بما في ذلك - بل وأولى - نصوص الصفات الإلهية فيقول:

الوجه الثالث: أنه قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف] ، وقال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف] ، فبين أنه أنزله عربيًا لأن يعقلوا، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه.

الوجه الرابع: أنه ذم من لا يفهمه فقال تعالى: {وَإِذَا قَرَاتَ القُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا} [الإسراء] ، {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الأنعام: 25] ، وقال تعالى: {فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثا} [النساء: 78] ، فلو كان المؤمنون لا يفهمونه أيضًا كانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به.

الوجه الخامس: أنه ذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى واتباعه. فقال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة] ، وقال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان] ، وقال: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد] ، وأمثال ذلك. وهؤلاء المنافقون سمعوا صوت الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يفهموا وقالوا: ماذا قال آنفًا؟ أي الساعة، وهذا كلام من لم يفقه قوله، فقال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 16] ، فمن جعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان غير عالمين بمعاني القرآن جعلهم بمنزلة الكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى عليه.

الوجه السادس: أن الصحابة رضي الله عنهم فسروا للتابعين القرآن كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أوقفه عنه كل آية منه وأسأله عنها. ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وكان ابن مسعود يقول: لو أعلم أحدًا بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته. وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه التفسير ما لا يحصيه إلا الله.

والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها. فإن قال قائل: قد اختلفوا في التفسير اختلافًا كثيرًا ولو كان ذلك معلومًا عندهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا فيه. فيقال: الاختلاف الثابت عن الصحابة، بل وعن أئمة التابعين في القرآن أكثره لا يخرج عن وجوه:

أحدها: أن يعبر كل منهم عن معنى الاسم بعبارة غير عبارة صاحبه. فالمسمى واحد. وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر مع أن كلاهما حق، بمنزلة تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى، وتسمية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت