قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] .
ومما جاء به الرسول رضاه عن السابقين الأولين وعمن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين كما قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] .
ومما جاء به الرسول أمر الله له بالبلاغ المبين، كما قال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاغُ المُبِينُ} [النور: 54] ، وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ} [المائدة: 67] ، ومعلوم أنه قد بلغ الرسالة كما أمر ولم يكتم منها شيئًا فإن كتمان ما أنزل الله إليه يناقض موجب الرسالة، كما أن الكذب يناقض موجب الرسالة، ومن المعلوم من دين المسلمين أنه معصوم من الكتمان بشيء من الرسالة كما أنه معصوم من الكذب فيها، الأمة تشهد له بأنه قد بلغ الرسالة كما أمره الله، وبين ما أنزل إليه ربه، وقد أخبر أخبر أخبر الله بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه فعلم أنه بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده، كما قال صلى الله عليه وسلم: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (15) ، وقال: (ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، وما من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به) (16) وقال أبو ذر: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا.
إذا تبين هذا فقد وجب على كل مسلم تصديقه فيما أخبر به عن الله تعالى من أسماء الله وصفاته مما جاء في القرآن وفى السنة الثابتة عنه. كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذي اتبعوهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، فإن هؤلاء هم الذين تلقوا عنه القرآن والسنة، وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل، كما قال عبد الرحمن السلمي: لقد حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا (17) . وقد قام عبد الله بن عمر - وهو من أصاغر الصحابه - في تعلم البقرة في ثماني سنوات وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة، وهذا معلوم من وجوه:
أحدها: أن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتناءهم بالقرآن المنزل عليهم لفظًا ومعنى، بل أن يكون اعتناؤهم بالمعنى أوكد، فإنه قد علم أنه من قرأ كتابًا في الطب أو الحساب أو النحو أو الفقه أو غير ذلك، فإنه لا بد أن يكون راغبًا في فهمه وتصور معانيه، فكيف بمن قرءوا كتاب الله تعالى المنزل الذي به هداهم، وبه عرف الحق والباطل والخير والشر والهدى والضلال والرشاد والغي؟ فمن المعلوم أن رغبتهم في فهمه وتصور معانيه أعظم الرغبات بل إذا سمع المتعلم من العالم حديثًا فإنه يرغب في فهمه، فكيف بمن يسمعون كلام الله من المبلغ عنه؟ بل ومن المعلوم أن رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعريفهم معاني القرآن أعظم من رغبته في تعريفهم حروفه، فإن معرفة الحروف بدون المعاني لا تحصل المقصود، إذ اللفظ إنما يراد للمعنى.
الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قد خصهم على تدبره وتعلقه واتباعه في غير موضع، كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] ، وقال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد] ، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون] ،