فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 400

يتناول هؤلاء كلهم كما هو مذهب الجمهور من السلف والخلف وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وهو المنصوص عن أحمد في عامة أجوبته لم يختلف كلامه إلا من نصارى بني تغلب.

وآخرُ الروايتين عنه أنهم تباح نساؤهم وذبائحهم كما هو قول جمهور الصحابة، وقوله في الرواية الأخرى: لا تباح متابعة لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-؛ لم يكن لأجل النسب بل لكونهم لم يدخلوا في دين أهل الكتاب، إلا فيما يشتهونه من شرب الخمر ونحوه، لكن بعض التابعين"يعني لهذا المذهب"ظنّ أن ذلك من أجل النسب كما نقل عن عطاء، وبه قال الشافعي ومن وافقه من أصحاب أحمد. وفرّعوا على ذلك فروعًا: كمن كان أحد أبويه كتابيًا والآخر ليس بكتابي، ونحو ذلك، حتى لا يوجد في طائفة من كتب أصحاب أحمد إلا هذا القول وهو خطأ على مذهبه مخالف لنصوصه، فهو لم يعلق الحكم بالنسب في مثل هذه البتة.

ثم يقول الشيخ -رحمه الله-: ولفظ المشركين يذكر مفردًا في مثل قوله: {وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] ، وهل يتناول أهل الكتاب؟ فيه قولان مشهوران للسلف والخلف، والذين قالوا بأنها تعمّ، منهم من قال: هي محكمة كابن عمر وغيره الذين لا يبيحون نكاح الكتابيات، ومنهم من يقول: نسخ منها تحريم نكاح الكتابيات كما ذكر الله في آية المائدة وهي متأخرة عنها. ومنهم من يقول: هو مخصوص لم يرد باللفظ العام، وقد أنزل الله تعالى (177) بعد صلح الحديبية قوله: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} ، وهذا إنما يقال: إنما نهى عن التمسك بالعصمة من كان متزوجًا كافرة ولم يكونوا حينئذ متزوجين إلا بمشركة وثنية، فلم يدخل في ذلك الكتابيات. انتهى ما قاله الشيخ في هذا الفصل من المقارنة بين لفظ الكفار والمشركين والمنافقين، وبيان المراد بأهل الكتاب وما يختصون به من أحكام يفترقون بها عن غيرهم من الكفار، كإباحة تزوج المسلمين من نسائهم المحصنات، والله تعالى حكيم عليم في تشريعه وأحكامه، لا يشرع شيئًا إلا لحكمة بالغة ومصلحة خالصة أو راجحة.

وكذلك لفظ (178) الصالح والشهيد والصدّيق يذكر مفردًا، فيتناول النبيين، قال تعالى في حق الخليل: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27] ، وقال: {وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل] ، وقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات] ، {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعراء] ، وقال يوسف: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح المتفق (179) على صحته لما كانوا يقولون في آخر صلاتهم: (السلام على الله من عباده، السلام على فلان) ، فقال لنا النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم من الصلاة فليقل: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض) . الحديث. وقد يذكر الصالح مع غيره؛ كقوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69] . قال الزجاج وغيره: الصالح القائم بحقوق الله وحقوق عباده، ولفظ الصلاح خلاف الفاسد، فإذا أطلق فهو الذي أصلح جميع أمره فلم يكن فيه شيء من الفساد، فاستوت سريرته وعلانيته وأقواله وأفعاله على ما يرضي ربه، وهذا يتناول النبيين ومن دونهم، ولفظ الصدّيق قد جُعل هنا معطوفًا على النبيين، وقد وصف به النبيين في مثل قوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} [مريم] ، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا} [مريم] ، وكذلك الشهيد قد جعل هنا قرين الصديق والصالحين، وقد قال: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت