فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 400

وما يحكى عنهم كثير منه كذب، والصدق منه أن كانوا فيه مجتهدين والمجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر، وخطؤه يغفر له، وإن قدر أن لهم ذنوبًا فالذنوب لا توجب دخول النار مطلقًا إلا إذا انتفت الأسباب المانعة من ذلك، وهي عشرة.

منها التوبة، ومنها الاستغفار، ومنها الحسنات الماحية، ومنها المصائب المكفرة، ومنها شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنها شفاعة غيره، ومنها دعاء المؤمنين ومنها ما يهدي للميت من الثوب والصدقة والعتق، ومنها فتنة القبر، ومنها أهوال القيامة.

وقد ثبت في الصحيحين (42) عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وحينئذ فمن جزم في واحد من هؤلاء بأن له ذنبًا يدخل به النار قطعًا فهو كاذب مفتر فإنه لو قال ما لا علم به لكان مبطلًا؛ فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه؟ فمن تلكم شجر بينهم - وقد نهى الله عنه - من ذمهم أو التعصب لبعضهم بالباطل معتد.

وقد ثبت في الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) (43) وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) (44) ، وفي"الصحيحين"عن عمار أنه قال: (تقتله الفئة الباغية) (45) ، وقد قال تعالى في القرآن: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] فثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف على أنهم مؤمنون مسلمون، وأن علي بن أبي طالب والذين معه كانوا أولى بالحق من الطائفة المقاتلة له. والله أعلم.

وقال ـ رحمه الله ـ (46) : وما ينبغي أن يعلم أنه وإن كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة والاستغفار للطائفتين جميعًا وموالاتهم، فليس من الواجب اعتقاد أن كل واحد من العسكر لم يكن إلا مجتهدًا متأولًا، بل فيهم المذنب والمسيء وفيهم المقصر في الاجتهاد لنوع من الهوى، لكن إذا كانت السيئة في حسنات كثيرة كانت مرجوحة مغفورة، وأهل السنة تحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم. لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب، وعلى الخطأ في الاجتهاد إلا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن سواه فيجوز عليه الإقرار على الذنوب والخطأ، لكن هم كما قال الله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} [الأحقاف: 16] الآية، وفضائل الأعمال إنما هي بنتائجها وعواقبها لا بصورها.

سئل شيخ الإسلام (47) ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن رجلين اختلفا؛ فقال أحدهما: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ أفقه من علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وقال الآخر: بل علي بن أبي طالب أعلم وأفقه من أبي بكر وعمر؛ فأي القولين أصوب.

وهل هذان الحديثان وهما قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (أقضاكم علي) (48) من قول عمر: أقرؤنا أبي , أقضانا علي: (49) وقوله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) (50) صحيحان؟ وإذا كانا صحيحين؛ فهل فيهما دليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت