صفة فكذلك غيرها، مثال ذلك قوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} [البقرة: 115] ؛ أدخلها في آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة، حتى عدها أولئك كابن خزيمة مما يقرر إثبات الصفة، وجعل النافية تفسيرها بغير الصفة حجة لهم في موارد النزاع.
ولهذا لما اجتمعنا في المجلس المعقود وكنت قد قلت: أمهلت من خالفني ثلاث سنين، إن جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئًا مما ذكرته، كانت له الحجة وفعلت وفعلت. وجعل المعارضون يفشون الكتب فظفروا بما ذكره البيهقي في كتاب"الأسماء والصفات"في قوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} فإنه ذكر عن مجاهد والشافعي أن المراد قبلة الله، فقال أحد كبرائهم في المجلس الثاني: قد أحضرت نقلًا عن السلف بالتأويل! فوقع في قلبي ما أَعَدّ. فقلت: لعلك قد ذكرت ما رُوي في قوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} ؟ قال: نعم. قلت: المراد بها قبلة الله. فقال: قد تأولها مجاهد والشافعي وهما من السلف. قلت: هذه الآية ليست من آيات الصفات أصلًا ولا تندرج في عموم قول من يقول: لا تؤول آيات الصفات. قال: أليس فيها ذكر الوجه؟ فلما قلت: المراد بها قبلة الله، قال: أليست هذه من آيات الصفات؟ قلت: لا ليست من موارد النزاع، فإن الوجه هو الجهة في لغة العرب، يقال: قصدت هذا الوجه. وسافرت إلى هذا الوجه؛ أي: إلى هذه الجهة. وهذا كثير مشهور. فالوجه هو الجهة وهو الوجهة، كما في قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} ؛ أي: متوليها فقوله تعالى: {وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148] ، كقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ} ، كلا الآيتين في اللفظ والمعنى متقاربان. وكلاهما في شأن القبلة. والوجه والجهة هو الذي ذكر في الآيتين أنا نوليه نستقبله.
قلت: والسياق يدل عليه؛ لأنه قال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} ، وأين من الظروف، وتولوا؛ أي تستقبلوا. فالمعنى: أي موضع استقبلتموه فهنالك وجه الله. فقد جعل وجه الله في المكان الذي نستقبله. هذا بعد قوله: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} ، وهي الجهات كلها كما في الآية الأخرى: {قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] ، فأخبر أن الجهات له. فدل على أن الإضافة إضافة تخصيص وتشريف. كأنه قال: جهة الله وقبلة الله. ولكن من الناس من يسلم أن المراد بذلك جهة الله؛ أي: قبلة الله، ولكن يقول: هذه الآية تدل على الصفة، وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء في الحديث: (إذ قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَل وجه) (106) ، وكما في قوله: (لا يزال الله مقبلًا على عبده بوجهه ما دام مقبلًا عليه. فإذا انصرف صرف وجهه عنه) (107) ، ويقول: إن الآية تدل على المعنيين. فهذا شيء آخر ليس هذا موضعه، والغرض أنه إذا قيل: فثم قبلة الله لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه الذي ينكره منكرو تأويل آيات الصفات ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة؛ فإن هذا المعنى صحيح في نفسه والآية دالة عليه. وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شيء آخر.
إن الله تعالى (108) لما أخبر بقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس] ، وقال: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54] ، واستدل طوائف من السلف على أن الأمر غير مخلوق بل هو كلامه وصفة من صفاته بهذه الآية وغيرها، صار كثير من الناس يطرد ذلك في لفظ الأمر حيث ورد فيجعله صفة طردًا للأدلة، ويجعل دلالته على غير الصفة نقضًا لهذا؛ وليس الأمر كذلك. فبينت في بعض رسائلي أن الأمر وغيره من الصفات يطلق على الصفة تارة وعلى متعلقها أخرى. فالرحمة صفة لله. ويُسمَّى ما خلق رحمة. والقدرة من صفات الله ويسمَّى المقدور قدرة ويسمى تعلقها بالمقدور قدرة. والخلق من صفات الله تعالى ويسمى خلقًا. والعلم من صفات الله ويسمى المعلوم أو المتعلق علمًا. فتارة