التعنت والتكذيب له ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذلك الذين يحاولون تحديد وقت قيامها ممن ذكرهم الشيخ وإنما يحاولون مستحيلًا ويعملون عبثًا؛ لأن ذلك من علم الغيب الذي اختص الله به. وإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يعلم ذلك؛ فكيف يعلمه هؤلاء؟ لكنه الفضول والعبث. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذه فتوى للشيخ ـ رحمه الله ـ لما سئل عن الذبيح من ولد خليل الله إبراهيم عليه السلام؛ هل هو إسماعيل أو إسحاق؟
فأجاب (23) الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة فيها مذهبان مشهوران للعلماء، وكل منهما مذكور عن طائفة من السلف. وذكر أبو يعلى في ذلك روايتين عن أحمد ونصر أنه إسحاق اتباعًا لأبي بكر عبد العزيز، وأبو بكر اتبع محمد بن جرير. ولهذا يذكر أبو الفرج ابن الجوزي أن أصحاب أحمد ينصرون أنه إسحاق وإنما ينصره هذان ومن اتبعهما. ويحكى ذلك عن مالك نفسه لكن خالفه طائفة من أصحابه. وذكر الشريف أبو علي بن أبي يوسف: أن الصحيح في مذهب أحمد أنه إسماعيل، وهذا هو الذي رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه. قال: مذهب أبي أنه إسماعيل.
وفي الجملة النزاع فيها مشهور، لكن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل وهذا هو الذي عليه الكتاب والسنة والدلائل المشهورة، وهو الذي تدل عليه التوراة التي بأيدي أهل الكتاب، وأيضًا فيها أنه قال لإبراهيم: أذبح وحيدك. وفي ترجمة أخرى: بكرك: وإسماعيل هو الذي كان وحيده وبكره باتفاق المسلمين وأهل الكتاب. لكن أهل الكتاب حرفوا فزادوا ـ إسحاق ـ. فتلقى ذلك عنهم من تلقاه. وشاع عند بعض المسلمين أنه إسحاق وأصله من تحريف أهل الكتاب.
ومما يدل على أنه إسماعيل قصة الذبيح المذكورة في سورة الصافات، قال تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيم} [الصافات: 101] وقد انطوت البشارة على ثلاثة: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ الحلم، وأنه يكون حليمًا. وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح؟ فقال: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: من الآية 102] ، وقيل: لم ينعت الله الأنبياء بأقل من الحلم وذلك لعزة وجوده، ولقد نعت إبراهيم به في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: من الآية 114] {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} [هود: 75] ؛ لأن الحادثة شهدت بحلمهما {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} إلى قوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 107: 111] ، {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ} [الصافات: 112: 113] ؛ فهذه القصة تدل على أنه إسماعيل من وجوه.
أحدهما: أنه بشره بالذبيح وذكر قصته أولًا، فلما استوفى ذلك قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112] فبين أنهما بشارتان بشارة بالذبيح، وبشارة ثانية بإسحاق. وهذا بيّن.
الثاني: أنه لم يذكر قصة الذبيح في القرآن إلا في هذا الموضع. وفي سائر المواضع يذكر البشارة بإسحاق خاصة، كما في سورة هود من قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] ، فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفًا للوعد في يعقوب. وقال