هذا ما بيّنه الشيخ - رحمه الله - مما يجب على المسلم تجاه الشرع والقدر، وهو العلم بالمشروع وفعله امتثالًا لأمر الله وطلبًا لثوابه وخوفًا من عقابه، والصبر على المقدور الذي يجري على العبد مما يكره مع بذل الأسباب للوقاية منه وإزالة أضراره بعد وقوعه.
يبيِّن الشيخ - رحمه الله - في سياق كلامه شروط صحة العبادة فيقول (25) : لا بد في عبادة الله من أصلين:
أحدهما: إخلاص الدين له.
والثاني: موافقة أمره الذي بعث به رسله، ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا. واجعله لوجهك خالصًا (26) ولا تجعل لأحد فيه شيئًا! وقال الفضيل بن عياض (27) في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] قال: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل. وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
ولهذا ذم الله المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين ما لم يأذن به الله من عبادة غيره، وفعل ما لم يشرعه من الدين. كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] ، كما أنه ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه الله، والدين الحق أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه.
يبيّن الشيخ - رحمه الله - بهذه العبارات النيرة أن تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرمه الله يدخل في عبادة الله تعالى والانقياد، وأن عكس ذلك وهو تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه، تبعًا لآراء الناس ورغباتهم؛ أنه من الشرك أخذًا من قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] ، ومن قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} إلى قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام] .
ثم بيّن الشيخ - رحمه الله - انقسام الناس في عبادة الله والاستعانة به فيقول: ثم إن الناس في عبادته واسعانته على أربعة أقسام:
فالمؤمنون المتقون هم له وبه يعبدونه ويستعينونه. وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر. فتجد عند أحدهم تحريًا للطاعة والورع ولزوم السنة، لكن ليس لهم توكل واستعانة وصبر، بل فيهم عجز وجزع. وطائفة فيهم استعانة وتوكل وصبر من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسنة، فقد يُمكَّن أحدهم، ويكون له نوع من الحال باطنًا وظاهرًا، ويعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول، ولكن لا عاقبة له؛ لأنه ليس من المتقين. والعاقبة للتقوى. فالأولون لهم دين ضعيف ولكنه مستمر باق إن لم يفسد صاحبه بالجزع والعجز. وهؤلاء لأحدهم حال وقوة ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر واتبع