العاشر: أنه لو حمل هذا المعنى لأدى إلى محذور يجب تنزيه بعض الأئمة عنه فضلًا عن الله ورسوله، فلو كان الكلام في الكتاب والسنة كلامًا نفهم منه معنى ويريدون به آخر، لكان في ذلك تدليس وتلبيس، ومعاذ الله أن يكون ذلك فيجب أن يكون استعمال هذا الشاعر في هذا اللفظ في هذا المعنى ليس حقيقة بالاتفاق بل حقيقة في غيره.
الحادي عشر: أن هذا اللفظ (يعني لفظ: استوى) ، الذي تكرر في الكتاب والسنة والدواعي متوفرة على فهم معناه من الخاصة والعامة عادة ودينًا، أن جعل الطريق إلى فهمه بيت شعر أُحدث فيؤدي إلى محذور فلو حمل على معنى البيت للزم تخطئة الأئمة الذين لهم مصنفات في الرد على من تأول ذلك، ولكان يؤدي إلى الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة، وللزم أن الله امتحن عباده بفهم هذا دون هذا.
والثاني عشر: الاستواء معلوم علمًا ظاهرًا بين الصحابة والتابعين وتابعيهم فيكون التفسير المحدث بعده باطلًا قطعًا، وهذا قول يزيد بن هارون الواسطي، فإنه قال: من قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} [طه] ، خلاف ما تقرر في نفوس العامة فهو جهمي. ومنه قول مالك: الاستواء معلوم وليس المراد أن هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قال بعض الناس، والسؤال عن معنى الاستواء والنزول ليس بدعة فقد تكلم فيه الصحابة والتابعون وإنما البدعة السؤال عن الكيفية.
انتهى ما ذكره شيخ الإسلام في إبطال تفسير الاستواء على العرش بالاستيلاء فعلى المسلم الذي يريد الحق أن يسير على منهج السلف هذا وغيره ويترك تأويلات الخلف التي ليس عليها دليل وإنما هي مجرد آراء تنبثق من اعتقادات غير صحيحة ولا مبنية على الكتاب والسنة. والله الهادي إلى سواء السبيل، وصلي الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه (14) رحمه الله في وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والإقرار بما جاء به: يجب على الخلق الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلًا عند العلم بالتفصيل. فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يقر بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة، إذ الكاذب ليس برسول فيما يكذبه. وقد قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ. لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ} [الحاقة] .
وبالجملة فهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام لا يحتاج إلى تقريره، وهو الإقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. وهو ما جاء به القرآن والسنة، كما قال الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران] ، وقال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 151] ، وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ} [البقرة: 231] ، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] ، وقال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا