الترمذي (54) وغيره عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ستكون فتن) . قلت ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: (كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله. وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا تنقضي عجائبه ولا يَخْلَق عن كثرة الرد، ولا تشبع منه العلماء - وفي رواية: ولا تختلف به الآراء- وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن] ، من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) .
قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام] وقال تعالى: {المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} إلى قوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} [الأعراف: 1 - 3)، وقال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} [الأنعام] .
فذكر سبحانه أن سيجزي الصادف عن آياته مطلقًا - سواء كان مكذبًا أو لم يكن- سوء العذاب بما كانوا يصدفون؛ يبين ذلك أن كل من لم يقر بما جاء به الرسول فهو كافر، سواء اعتقد كذبه أو استكبر عن الإيمان به، أو أعرض عنه اتباعًا لما يهواه أو ارتاب فيما جاء به، فكل مكذب بما جاء فهو كافر، وقد يكون كافرًا من لا يكذبه إذا لم يؤمن به.
ولهذا أخبر الله من غير موضع من كتابه بالضلال والعذاب لمن ترك اتباع ما أنزله، وإن كان له نظر وجدل واجتهاد في عقليات، وأمور غير ذلك، وجعل ذلك من نعوت الكفار والمنافقين، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأحقاف: 26] .
وذكر - رحمه الله- آيات كثيرة في هذا المعنى، ثم قال: وقد طالب سبحانه من اتخذ دينًا بقوله: {اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} [الأحقاف] ، فالكتاب الكتاب، والأثارة كما قال من السلف: هي الرواية والإسناد، وقالوا: هو الخط أيضًا. إذ الرواية والإسناد يكتب بالخط، وذلك لأن الأثارة من الأثر. فالعلم الذي يقوله من يقبل قوله يؤثر بالإسناد ويقيَّد بالخط؛ فيكون ذلك من آثاره.
نكتفي بهذا القدر من كلام الشيخ في هذا الموضوع المهم، وهو وجوب الاستغناء بأدلة الكتاب والسنة في العقائد وغيرها عن أدلة المنطق، وأن كل مسلم يجب عليه أن يعمل بما دلَّته عليه أدلة الكتاب والسنة حسب استطاعته ومقدرته، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
بيّن الشيخ (55) الخطأ الذي يغفر والذي لا يغفر بعد ذكر الآيات الكريمة، وهي قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ