فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 400

ثم بيّن الشيخ - رحمه الله- درجات وجوب معرفة ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملًا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية؛ فإن ذلك داخل في تبيلغ ما بعث الله به رسوله وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه وعلم الكتاب والحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين؛ فهو واجب على الكفاية منهم. وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم ومعرفتهم وحاجتهم، وما أمر به أعيانهم؛ فلا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك، ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي والمتحدث والمجادل ما لا يجب على من ليس كذلك.

وإلى هنا ينتهي ما أردنا اقتباسه من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يضع منهجًا للمسلمين عمومًا وللدعاة إلى الله خصوصًا في أن يتكلم كل واحد بقدر علمه ويتوقف عما لا علم له به، ولا يتكلم بما يعلم إلا حيث يكون السامع قادرا على استيعاب ما يسمعه منه؛ فإن كان غير قادر فليمسك عن الكلام معه. وهذه قاعدة يجهلها كثير من الدعاة اليوم حيث يطلقون الكلام بلا عنان في كل محضر سواء طابق مقتضى الحال أو لم يطابق، وهذا مفسدته أكثر. والله أعلم.

الرد على من يفرقون بين أدلة الكتاب والسنة من حيث إفادة اليقين وعدمها

قال (51) - رحمه الله- في الرد على الذين يفرقون بين أدلة الكتاب والسنة ويقسمونها إلى: ما يفيد ويستدل به في العقائد، وما يفيد الظن فلا يستدل به في العقائد، قال: فهذا الذي قالوه على إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه. فإنهم كثيرًا ما يحتجون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات وتكون في الحقيقة من الأغلوطات. فضلًا أن تكون من الظنيات، حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرًا ما يقطع بصحة حجة في مواضع ويقطع ببطلانها في موضع آخر، بل منهم مَن غاية كلامه كذلك. وحتى قد يدعي كل من المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر.

وبعد بيان تعامل هؤلاء مع هذه القاعدة التي قعدوها ولم يلتزموا بمدلولها، قال الشيخ: وأما التفاصيل فما أوجب الله فيه العلم واليقين وجب فيه ما أوجبه الله من ذلك، كقوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة] ، وقوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد: 19] ، وكذلك يجب الإيمان بما أوجب الله الإيمان به. ولقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم-: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) أخرجاه في"الصحيحين" (52) ، فإذا كان كثير من الناس مشتبهًا لا يقدر فيه على دليل يفيده اليقين، لا شرعي ولا غيره لم يجب على مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه. وليس عيه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين. بل هو الذي يقدر عليه لا سيما إذا كان مطابقًا للحق. فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه. لكن ينبغي أن يُعرف أن عامة من ضل من هذا الباب، أو عجز فيه عن معرفة الحق؛ فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال المُوصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا. كما قال تعالى: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه] ، قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية (53) . وكما في الحديث الذي رواه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت