وأما الرافضي فلا يمكنه إقامة الحجة على من يبغض عليًا من النواصب كما يمكن ذلك أهل السنة الذين يحبون الجميع. فإنه إن قال إسلام علي معلوم بالتواتر، قال له: وكذلك إسلام أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وغيرهم، وأنت تطعن في هؤلاء؛ إما في إسلامهم وإما في عدالتهم! فإن قال: إيمان علي ثبت بثناء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ! قلنا له: هذه الأحاديث إنما نقلها الصحابة الذين تطعن أنت فيهم، ورواه أفاضلهم: سعد بن أبي وقاص وعائشة وسهل بن سعد الساعدي وأمثالهم والرافضة تقدح في هؤلاء! فإن كانت رواية هؤلاء وأمثالهم، ضعيفة؛ بطلب كل فضيلة تروى لعلي، ولم يكن للرافضة حجة وإن كانت روايتهم صحيحة ثبت فضائل علي وغيره ممن روي هؤلاء فضائله كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم إلى أن قال ـ رحمه الله ـ في حق معاوية (76) ـ رضي الله عنه ـ: فإن معاوية ثبت بالتواتر أنه أمره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما أمر غيره وجاهد معه، وكان أمينًا عنده يكتب له الوحي، وما اتهمه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كتابة الوحي، وولاه عمر بن الخطاب الذي كان من أخبر الناس بالرجال، وقد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ولم يتهمه في ولايته. وقد ولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أباه أبا سفيان إلى أن مات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو على ولايتهن فمعاوية خير من أبيه وأحسن إسلامًا من أبيه باتفاق المسلمين، وإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولى أباه فلأن تجوز ولايته من باب أولى وأحرى والله أعلم.
يواصل شيخ الإسلام (77) ـ رحمه الله ـ الكلام في الدفاع عن الصحابة ويستطرد في ذلك بعد الكلام عن أبي سفيان وابنه معاوية ـ رضي الله عنهما ـ فيقول في حق يزيد بن معاوية: بل يزيد بن معاوية مع ما أحدث من الأحداث من قال فيه: إنه كافر مرتد؛ فقد افترى عليه، بل كان ملكًا من ملوك المسلمين كسائر ملوك المسلمين. وأكثر الملوك لهم حسنات ولهم سيئات، وحسناتهم عظيمة وسيئاتهم عظيمة. فالطاعن في واحد منهم دون نظرائه إما جاهل وإما ظالم، وهؤلاء لهم ما لسائر المسلمين. منهم من تكون حسناته أكثر من سيئاته. ومنهم من قد تاب من سيئاته ومنهم من كفر الله عنه ومنهم من قد يدخله الجنة ومنهم من قد يعاقبه لسيئاته ومنهم من قد يتقبل الله فيه شفاعة نبي أو غيره من الشفعاء.
فالشهادة لواحد من هؤلاء بالنار هو من أقوال أهل البدع والضلال. كذلك قصد لعنة أحد منهم بعينه ليس هو من أعمال الصالحين الأبرار. وقد ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (لعن الله الخمرة وعاصرها ومعتصرها وحاملها وساقيها وشاربها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها) (78)
وصح عنه أنه كان على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من يكثر شربها يدعي حمارًا، وكان كلما أتي به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جلده، فأتي به إليه ليجلده فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) (79) وقد لعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شارب الخمر عمومًا ونهى عن لعنه المؤمن المعين.
كما إننا نقول ما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] فلا ينبغي لأحد أن يشهد لواحد بعينه أنه في النار؛ لإمكان أن يتوب، أو يغفر له الله بحسنات ماحية أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة، أو يعفو الله عنه أو غير ذلك. فهكذا الواحد من الملوك، وإن كان صدر منه ما هو ظلم فإن ذلك لا يوجب أن نلعنه ونشهد له بالنار. ومن دخل في ذلك كان من أهل البدع والضلال؛ فكيف إذا كان لرجل حسنات عظيمة يرجى له بها المغفرة مع ظلمه، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال (أول جيش يغزو قسطنطينية