فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 400

فاستعظم ذلك (يعني هذا الشخص الذي كلمه) وقال: أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا في هذا. فتواعدنا يومًا فكان فيما تفاوضنا: أن أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين ممن ينتحل مذهب الأشعري ثلاث مسائل: وصف الله بالعلو على العرش، ومسألة القرآن، ومسألة تأويل الصفات. فقلت له: نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات؛ فإنها الأم؛ والباقي من المسائل فرع عليها. وقلت له: مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تُمَرُّ كما جاءت ويؤمن بها وتصدق؛ وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل.

قال الشيخ - رحمه الله - لمن أراد أن يناظره في الصفات: هل تقر على ظاهرها أم تؤول؟

قال له الشيخ (47) : قد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف، منهم الخطابي مذهب السلف: أنها تجرى على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله؛ فإذا كان إثبات وجود لا إثبات كيفية. فنقول: إن له يدًا وسمعًا، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة ومعنى السمع العلم. وقلت له: وبعض الناس يقول: مذهب السلف أن الظاهر غير مراد. ويقول: أجمعنا على أن الظاهر غير مراد، وهذه العبارة خطأ؛ إما لفظًا ومعنى أو لفظًا لا معنى؛ لأن الظاهر قد صار مشتركًا بين شيئين:

أحدهما: أن يقال: إن اليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب غليان القلب لطلب الانتقام، وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف، فلا شك أن من قال: إن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المُحْدَثين غير مراد من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن؛ إذ لا يختلف أهل السنة أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة، لكن هذا القائل أخطأ حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات والأحاديث وحيث حكى عن السلف ما لم يقولوه؛ فإن ظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم تلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام، وليست هذه المعاني المحدثة المستحيلة على الله تعالى هي السابقة إلى عقول المؤمنين بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات، فكما كان علمنا وقدرتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات أعراضًا تدل على حدوثنا يمتنع أن يوصف الله بمثلها؛ فكذلك أيدينا ووجوهنا ونحوها أجسامًا كذلك محدثة يمتنع أن يوصف الله تعالى بمثلها.

ثم لم يقل أحد من أهل السنة: إذا قلنا: إن لله علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا؛ أن ظاهره غير مراد ثم يفسر بصفاتنا. فكذلك لا يجوز أن يقال: إن ظاهر اليد والوجه غير مراد، إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عَرَض للجسم، ومن قال: إن ظاهر شيء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ؛ لأنه ما من اسم يسمى الله تعالى به إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد به، فكان قول هذا القائل يقتضي أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ظاهرها، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الفساد.

والمعنى الثاني - أي من المعنيين المشتركين للظاهر: أن هذه الصفات إنما هي صفات الله - سبحانه وتعالى - كما يليق بجلاله، نسبتها إلى ذاته كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته. فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص، وكذلك الوجه، ولا يقال: إنه مستغنٍ عن هذه الصفات؛ لأن هذه الصفات واجبة لذاته، والإله المعبود سبحانه هو المستحق لجميع هذه الصفات. وكذلك فعله. نعلم أن الخلق هو إبداع الكائنات من العدم وإن كنا لا نكيّف ذلك الفعل ولا يشبه أفعالنا؛ إذ نحن لا نفعل إلا لحاجة إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت