فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 400

وما كان منها من الاجتهاديات المتنازع فيها التي أقرها الله ورسوله كاجتهاد الصحابة في تأخير العصر عن وقتها يوم قريظة أو فعلها في وقتها فلم يعنّف الرسول - صلى الله عليه وسلم- واحدة من الطائفتين (9) ، وكما قطع بعضهم نخل بني النضير وبعضهم لم يقطع فأقر الله الأمرين (10) وكما ذكر الله عن داود وسليمان أنهما حكما في الحرث ففهَّم الحكومة أحدهما وأثنى على كل منهما بالعلم والحكم به، وكما قال - صلى الله عليه وسلم-: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) (11) ؛ فما وسعه الله ورسوله وسع. وما عفى الله عنه ورسوله عُفي عنه. وما اتفق عليه المسلمون من إيجاب أو تحريم أو استحباب أو إباحة أو عفو بعضهم لبعض عما أخطأ فيه. وإقرار بعضهم لبعض فيما اجتهدوا به فهو مما أمر الله به ورسوله فإن الله ورسوله أمر بالجماعة ونهى عن الفرقة. ودل على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة.

وسئل (12) - رحمه الله- عن قوله - صلى الله عليه وسلم-: (تفترق أمتي ثلاثًا وسبعين فرقة) (13) ؟ فأجاب بأن الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد، ثم أورد نص الحديث، وقال: ولهذا وصف الفرقة الناجية أنها أهل السنة والجماعة وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبًا من مبلغ الفرقة الناجية فضلًا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة، وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة.

قال: وأما تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين لا بد له من دليل. فإن الله حرم القول بلا علم عمومًا، وحرم القول عليه بلا علم خصوصًا، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف] ، وقال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] ، وأيضًا فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى؛ فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعة الموالية له هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين؛ فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الذي: لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة. بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. فمن جعل شخصًا من الأشخاص غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من أحبَّه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة ومن خالفه كان من أهل البدعة والفُرقة، كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة الكلام في الدين وغير ذلك؛ كان من أهل البدع والضلال والتفرق.

وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.

يبين شيخ الإسلام (14) - رحمه الله- أولى الطوائف والفرق بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فيقول: أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها وأهل معرفة بمعانيها، واتباعًا لها تصديقًا وعملًا وحبًا وموالاة لمن والاها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت