وقد عيَّنه تعيينًا أزال اللبس. وكذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن خالدًا سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين) (229) وأمثال ذلك.
فإن قيل: القرائن اللفظية موضوعة ودلالاتها موضوعة ودلالاتها على المعنى حقيقة، لكن القرائن الحالية مجاز، قيل: اللفظ لا يستعمل قطّ إلا مقيدًا بقيود لفظية موضوعة، والحال حال المتكلّم والمستمع لا بد من اعتباره في جميع الكلام، فإنه إذا عُرف المتكلم فُهم من معنى كلامه ما لا يفهم إذا لم يعرف؛ لأنه بذلك تعرف عادته في خطابه. واللفظ إنما يدل على إذا عُرف لغة المتكلم التي بها يتكلم وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه. ودلالة اللفظ على المعنى قصدية إرادية اختيارية، فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى، فإذا اعتاد أن يعبّر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغته.
ولهذا كل من له عناية بألفاظ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومراده بها عرف عادته في خطابه وتبيّن له من مراده ما لا يتبيّن لغيره، ولهذا ينبغي أن يُقصد إذا ذُكر لفظ من القرآن والحديث أن يُذكر نظائر هذا اللفظ، ماذا عنى بها الله ورسوله فَيَعرِف بذلك لغة القرآن والحديث وسنّة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده، وهي العادة المعروفة من كلامه. ثم إذا كان لذلك نظائر في كلام غيره وكانت النظائر كثيرة عرف أن تلك العادة واللغة مشتركة عامة لا يختص بها هو -صلى الله عليه وسلم- بل هي لغة قومه، ولا يجوز أن يحمل كلامه على عادات حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه وخطاب أصحابه كما يفعله كثير من الناس، وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه.
إلى أن قال الشيخ (230) -رحمه الله-: ولا بدّ في تفسير القرآن والحديث من أن يعرف ما يدلّ على مراد الله ورسوله من الألفاظ وكيف يفهم كلامه. فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعيّن على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني، فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دالّ عليه ولا يكون الأمر كذلك. ويجعلون هذه الدلالة حقيقة وهذه مجاز؛ كما أخطأ المرجئة في اسم الإيمان، جعلوا لفظ الإيمان حقيقة في مجرد التصديق، وتناوله للأعمال مجازًا.
لما كانت الأعمال الصالحة داخلة في حقيقة الإيمان عند جمهور أهل السنة والجماعة؛ لأن الله سماها إيمانًا خلافًا للمرجئة الذين يقولون: إن تسمية الأعمال الصالحة إيمانًا هو من باب المجاز، ردَّ عليهم الشيخ بإبطال القول بالمجاز في لغة العرب في كلام طويل سقنا طرفًا منه.
ثم يعود الشيخ إلى المناقشة مع المرجئة في هذا الموضوع، فيقول (231) :
أخطأ المرجئة في اسم الإيمان، جعلوا لفظ الإيمان حقيقة في مجرد التصديق وتناوله للأعمال مجازًا، فيقال: إن لم يصح التقسيم إلى حقيقة ومجاز فلا حاجة إلى هذا، وإن صح فهذا لا ينفعكم بل هو عليكم؛ لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدلّ بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدلّ بقرينة. وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال، وإنما يُدَّعى خروجها منه عند التقييد. وهذا يدلّ على أن الحقيقة في قوله: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) (232) ، وأما حديث جبريل (233) فإن كان أراد بالإيمان ما ذَكَر مع الإسلام فهو كذلك. وهذا المعنى هو الذي أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- قطعًا كما أنه لما ذكر