ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم.
انتهى المقصود في كلام الشيخ - رحمه الله - وهو بهذه المناظرة مع نفاة الصفات بعضها أو جميعها قد أفحمهم وألزمهم بالاعتراف بالحق، وإلا كانوا معاندين، فالواجب على المسلم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله وأسمائه وأن لا يتدخل بعقله القاصر وفهمه الكاسد في تأويل النصوص وصرفها عن معانيها الصحيحة، بل فَرْضه التسليم والوقوف عند حده فهذا طريق النجاة والسلامة من التكلف والانحراف، نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع مجيب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
إثبات أسماء الله وصفاته لا يلزم منه تشبيه الله بخلقه كما تزعمه الجهمية والمعتزلة ومن سار على نهجهم في نفي الأسماء والصفات بحجة أنه يجب تنزيه الله عن مشابهة خلقه، ولا يمكن ذلك بزعمهم إلا بنفي الأسماء والصفات؛ لأنها قد سمي بها ووصف بها المخلوق، وقد نفى الشيخ هذا الزعم الباطل وقال (10) : إنه لا يلزم من إثبات أسماء الله وصفاته مشابهة المخلوقين ووضح ذلك بضرب مثلين: المثل الأول: أن الله سبحانه أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم والملابس والمناكح والمساكن؛ فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماء ولحمًا وحريرًا وذهبًا وفضة وفاكهة وحورًا وقصورًا. وقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء (11) . وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى. فالخالق - سبحانه وتعالى - أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق. ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا. إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق. فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة وأن مباينة الله لخلقه أعظم، وطوائف من أهل الكلام أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرًا مما أخبر به عن نفسه من الصفات. ويريد الشيخ - رحمه الله - بهذا أن يبين تناقضهم لأن الباب واحد يجب الإيمان بكل ما أخبر الله عنه من أمور الغيب.
ثم قال - رحمه الله: والله سبحانه لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه؛ فإن الله لا مثيل له بل له المثل الأعلى. فلا يجوز أن يشرك هو والمخلوقات في قياس تمثيل ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى؛ وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزهًا عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم؛ فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم.
ثم ذكر - رحمه الله:
المثل الثاني: وهو أن الروح التي فينا قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية؛ فأخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تقبض من البدن وتسل منه كما تسل الشعرة من العجينة. ثم ذكر اختلاف الناس في حقيقة الروح، إلى أن قال: والمقصود أن الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة سميعة بصيرة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها،