فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 400

وكذلك كل من ادعى أنه رأى ربه بعينيه قبل الموت فدعواه باطل باتفاق أهل السنة والجماعة، إلى أن قال: نعم رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهي أيضًا للناس في عرصات القيامة كما تواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- حيث قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب وكما ترون القمر ليلة البدر صحوًا ليس دونه سحاب) (28) ، وذكر أحاديث ثم قال: وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول واتفق عليها أهل السنة والجماعة، وإنما يكذب بها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة ونحوهم الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة. ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في الآخرة، وبين تصديق الغالية بأنه يُرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل.

ثم ذكر الشيخ (29) - رحمه الله- أن من الأصول الباطلة: الغلو في بعض المشائخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح - عليه السلام- ونحوه؛ فكل من غلا في حي أو في رجل صالح كمثل علي - رضي الله عنه-، أو فيمن يعتقد فيهم الصلاح وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده. أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني، أو ارزقني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك، أو أنت حسبي أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى؛ فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قُتل؛ فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له ولا نجعل مع الله إلهًا آخر، والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى مثل الشمس والقمر والكواكب والعزير والمسيح والملائكة واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ويغوث ويعوق ونسرا أو غير ذلك لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر أو أنها تنبت النبات. وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكواكب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء أو يعبدون قبورهم ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله. فأرسل الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، وقال الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء] ، قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة، فقال الله لهم: هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إليّ كما تتقربون، ويرجون رحمتي كمال ترجون، ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.

تكلم الشيخ (30) - رحمه الله- عن ضوابط العبادة الصحيحة وبيّن كيف حذر النبي - صلى الله عليه وسلم- أمته عن الشرك، وسد الطرق الموصلة إليه، فقال - رحمه الله-: وعبادة الله وحده هي أصل الدين وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب، فقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف] ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء] ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم- يحقق التوحيد ويعلمه أمته حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: (أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده) (31) ، وقال: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد. ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد) (32) ، ونهى عن الحلف بغير الله فقال: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت) (33) ، وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم. إنما أنا عبد، فقولوا: عبد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت