قال الشيخ - رحمه الله-: لما بيّن وسطية الأمة المحمدية بين الأمم ووسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق، قال (23) : إن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما يظفر: إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه. وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيرًا ممن ينتسب إليه حتى أخرجه عن كثير من شرائعه، بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأروعها، حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية: إلى أن قال:
فإن كان عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة حتى أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- بقتالهم، فيُعلم أن المنتسب إلى الإسلام أو السنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام والسنة حتى يَدَّعي السنة من ليس من أهلها، بل قد مرق منها وذلك بأسباب:
منها: الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه حيث قال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} إلى قوله: {وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171] ، وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيلِ} [المائدة: 77] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: (إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) (24) وهو حديث صحيح.
ومنها: التفرق والاختلاف الذي ذكره الله في كتابه العزيز.
ومنها: أحاديث تروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم-، وهي كذب عليه باتفاق أهل المعرفة يسمعها الجاهل بالحديث فيصدق بها لموافقة ظنه وهواه، وأضل الضلال اتباع الظن والهوى كما قال الله تعالى في حق من ذمهم: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] ، وقال في حق نبيه - صلى الله عليه وسلم-: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم] ؛ فنزهه عن الضلال والغواية اللذين هما الجهل والظلم؛ فالضال هو الذي لا يعلم الحق. والغاوي الذي يتبع هواه، وأخبر أنه ما ينطق عن هوى النفس، بل هو وحي أوحاه الله إليه فوصفه بالعلم ونزهه عن الهوى.
ثم ذكر - رحمه الله- أصولًا جوامع من أصول الباطل ابتدعها طوائف ممن ينتسب إلى السنة، وقد مرق منها وصار من أكابر الظالمين:
الأول: أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين الإسلام مما نعلم باليقين القاطع أنها كذب وبهتان بل كفر شنيع، وذكر أمثلة لذلك؛ منها: حديث يروونه: أن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق يصافح الركبان ويعانق المشاة (25) ؛ قال: وهذا من أعظم الكذب على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم-. إلى أن قال: وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قط حديث فيه: (أن الله نزل له إلى الأرض) بل الأحاديث الصحيحة: (أن الله يدنو عشية عرفة) (26) ، وفي رواية: (إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له. من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) (27) إلى أن قال: وبالجملة فكل حديث فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- رأى ربه بعينيه في الأرض، وفيه: أنه نزل إلى الأرض. وفيه: أن رياض الجنة في خطوات الحق. وفيه: أنه وطئ على صخرة بيت المقدس كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين من أهل الحديث وغيرهم.