فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 400

الشرك والفسوق والعصيان، فتارة يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها، وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل أو تمريض، ونحو ذلك، وتارة يجلبون له من يريده من الإنس، وتارة يسرقون له ما يسرقونه من أموال الناس من نقد وطعام وثياب، وغير ذلك، فيعتقد أنه من كرامات الأولياء، وإنما يكون مسروقًا. وتارة يحملونه في الهواء فيذهبون به إلى مكان بعيد؛ فمنهم من يذهبون به إلى مكية عشية عرفة ويعودون به فيعتقد هذا كرامة مع أنه لم يحج حج المسلمين؛ لا أحرم ولا لبى ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ومعلوم أن هذا من أعظم الضلال.

وعند المشركين عباد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى ومبتدعة هذه الأمة في ذلك من الحكايات ما يطول وصفه؛ فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبيًا كان أو غير نبي إلا وقد بلغه من ذلك ما كان أسباب ضلاله، كما أن الذين يدعونهم في مغيبهم ويستغيثون بهم فيرون من يكون في صورتهم، أو يظنون أنه في صورتهم ويقول: أنا فلان ويكلمهم ويقضي بعض حوائجهم؛ فإنهم يظنون أن الميت المستغاث به هو الذي كلمهم وقضى مطلوبهم، وإنما هو من الجن والشياطين، ومنهم من يقول: هو ملك من الملائكة، والملائكة لا تعين المشركين، وإنما هم شياطين أضلوهم عن سبيل الله. وفي مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التي يعرفها من هنالك، ومن وقعت له ما يطول وصفه، وأهل الجاهلية فيها نوعان: نوع يكذب بذلك كله، ونوع يعتقد ذلك كرامات لأولياء الله.

ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - انخداع بعض الجهال بمن تحصل على أيديهم هذه التمثيليات الشيطانية، فخضعوا لمن يحصل له ذلك وانقادوا له، واعتقدوا أنه من أولياء الله، مع كونهم يعلمون أنه لا يؤدي فرائض الله حتى ولا الصلوات الخمس، ولا يجتنب محارم الله لا الفواحش ولا الظلم، بل يكون من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى التي وصف الله بها أولياءه من قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس] ، فيرون من هو من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى له من المكاشفات والتصرفات الخارقات، ما يعتقدون أنه من كرامات أولياء الله المتقين. فمنهم من يرتد عن الإسلام وينقلب على عقبيه ويعتقد فيمن لا يصلي، بل ولا يؤمن بالرسل أنه من أعظم الأولياء والمتقين. وسبب ذلك أنهم استدلوا على الولاية بما لا يدل عليها؛ لأن دليل الولاية الإيمان والتقوى وهؤلاء من أبعد الناس عنهما.

ذكر - رحمه الله - فروقًا بين أولياء الله وأولياء الشيطان يتميز بها كل من الفريقين، على ضوء قوله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء] ؛ فهذه الآيات تبين أولياء الشيطان، أما أولياء الرحمن فقد قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس] .

قال الشيخ (1) - رحمه الله - في صفة أولياء الشيطان: وهؤلاء لا بد أن يكون فيهم كذب وفيهم مخالفة للشرع، ففيهم من الإثم والإفك بحسب ما فارقوا أمر الله ونهيه الذي بعث الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وتلك الأحوال الشيطانية نتيجة ضلالهم وشركهم وبدعتهم وجهلهم وكفرهم، وهي دلالة وعلامة على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت