فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 400

والجاهل الضال يظن أنها نتيجة إيمانهم وولايتهم لله، وأنها علامة ودلالة على إيمانهم وولايتهم لله سبحانه. وذلك أنه لم يكن عنده فرقان بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، ولم يعلم أن هذه الأحوال التي جعلها دليلًا على الولاية تكون للكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم مما تكون للمنتسبين إلى الإسلام، والدليل مستلزم للمدلول مختص به لا يوجد بدون مدلوله. فإذا وجدت للكفار والمشركين وأهل الكتاب لم تكن مستلزمة للإيمان فضلًا عن الولاية، ولا كانت مختصة بذلك، وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وكراماتهم ثمرة إيمانهم وتقواهم لا ثمرة الشرك والبدعة والفسق.

ثم بيّن - رحمه الله - الفرق بين أولياء الشيطان فيما يستعملون به تلك الخوارق فقال: وأكابر الأولياء إنما يستعملون هذه الكرامات بحجة للدين أو لحاجة للمسلمين والمقتصدون قد يستعملونها في المباحات. وأما من استعان بها في المعاصي فهو ظالم لنفسه متعد حد ربه وإن كان سببها الإيمان والتقوى؛ فمن جاهد العدو فغنم غنيمة فأنفقها في طاعة الشيطان فهذا المال وإن ناله بسبب عمل صالح فإذا أنفقه في طاعة الشيطان كان وبالًا عليه؛ فكيف إذا كان سبب الخوارق الكفر والفسوق والعصيان؟ وهي تدعو إلى كفر آخر وفسوق وعصيان! ولهذا كان أئمة هؤلاء معترفين بأن أكثرهم يموتون على غير الإسلام.

ثم ذكر - رحمه الله - من أعظم المشركين ما يرونه أو يسمعونه عند الأوثان كإخبارٍ عن غائب أو أمر يتضمن قضاء حاجة، ونحو ذلك، فإذا شاهد أحدهم القبر انشق، وخرج منه شيخ بهي عانقه، أو كلمه؛ ظن أن ذلك هو النبي المقبور أو الشيخ المقبور. والقبر لم ينشق وإنما الشيطان مثل له ذلك كما يمثل لأحدهم أن الحائط انشق، وخرج منه صورة إنسان ويكون ذلك الشيطان تمثل له في صورة إنسان، وأراه أنه خرج من الحائط، وهذا ونحوه مما يبين أن الذين يدعون الأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وغير قبورهم هم من المشركين الذين يدعون غير الله، كالذين يدعون الكواكب والذين اتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا. قال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران] ، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء] ، ومثل هذا كثير في القرآن ينهى أن يدعى غير الله لا من الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم؛ فإن هذا شرك أو ذريعة إلى الشرك، بخلاف ما يطلب من أحدهم في حياته من الدعاء والشفاعة فإنه لا يفضي إلى ذلك، فإن أحدًا من الأنبياء لم يعبد في حياته بحضرته. فإنه ينهى من يفعل ذلك بخلاف دعائهم بعد موتهم؛ فإن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم، وكذلك دعاؤهم في مغيبهم فإنه ذريعة إلى الشرك؛ فإن الغائب والميت لا ينهى عن الشرك.

قال - رحمه الله - (2) : وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق والعصيان بحسب ظهور أسبابها، فحيث قوي الإيمان والتوحيد ونور الفرقان والإيمان، وظهرت آثار النبوة والرسالة ضعفت هذه الأحوال الشيطانية. وحيث ظهر الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية. وتكون الأحوال الشيطانية في المشركين الذين لم يدخلوا في الإسلام أكثر؛ يصعد أحدهم في الهواء ويحدِّث بأمور غائبة. وأما الداخلون في الإسلام إذا لم يحققوا التوحيد واتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ودعوا الشيوخ الغائبين واستغاثوا بهم؛ فلهم من الأحوال الشيطانية نصيب بحسب ما فيهم مما يرضى الشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت