عنه. فمن اتخذ نظير هذا السماع عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله فقد ضاهى هؤلاء في بعض أمورهم، وكذلك لم تفعله القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فعله أكابر المشائخ.
وأما سماع الغناء على وجه اللعب فهذا من خصوصية الأفراح للنساء والصبيان كما جاءت به الآثار؛ فإن دين الإسلام واسع لا حرج فيه، وعماد الدين الذي لا يقوم إلا به هو الصلوات الخمس المكتوبات، ويجب على المسلمين من الاعتناء بها ما لا يجب من الاعتناء بغيرها. كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة؛ فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة (10) ، وهي أول ما أوجبه الله من العبادات. والصلوات الخمس تولى الله إيجابها بمخاطبة رسوله ليلة المعراج، وهي آخر ما وصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته وقت فراق الدنيا جعل يقول: (الصلاة. الصلاة وما ملكت أيمانكم) (11) ، وهي أول ما يحاسب عليه العبد من عمله وآخر ما يفقد من الدين؛ فإذا ذهبت ذهب الدين كله، وهي عمود الدين فمتى ذهبت سقط الدين. قال - صلى الله عليه وسلم: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة. وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) (12)
وقد قال الله تعالى في كتابه: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] ، قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وغيره: إضاعتها تأخيرها عن وقتها ولو تركوها كانوا كفارًا. وقال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] ، والمحافظة عليها فعلها في أوقاتها، وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون] ، وهم الذين يؤخروها حتى يخرج الوقت، وقد اتفق المسلمون على أنه لا يجوز تأخير صلاة النهار إلى الليل ولا تأخير صلاة الليل إلى النهار، لا لمسافر ولا لمريض ولا غيرهما. لكن يجوز عند الحاجة أن يجمع المسلم بين صلاتي النهار وهي الظهر والعصر في وقت إحداهما. وذلك لمثل المسافر والمريض وعند المطر ونحو ذلك من الأعذار.
وقد أوجب الله على المسلمين أن يصلوا بحسب طاقتهم كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، فعلى الرجل أن يصلي بطهارة كاملة وقراءة كاملة وركوع وسجود كامل. فإن كان عادمًا للماء، أو يتضرر باستعماله لمرض أو برد أو غير ذلك، وهو محدث أو جنب يتيمم الصعيد الطيب وهو التراب؛ يمسح به وجهه ويديه ويصلي ولا يؤخرها عن وقتها باتفاق العلماء، وكذلك إذا كان محبوسًا أو مقيدًا أو زَمِنًا أو غير ذلك صلى على حسب حاله، وإذا كان بإزاء عدوه صلى أيضًا صلاة الخوف. قال الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ} إلى قوله: {وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} إلى قوله: {فَإِذَا اطْمَانَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء: 101 - 103] ، ويجب على أهل القدرة من المسلمين أن يأمروا بالصلاة كل أحد من الرجال والنساء حتى الصبيان قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) (13)
يواصل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كلامه في موضوع الصلاة فيقول (14) : والرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات الخمس أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها فإنه يستتاب فإن تاب