فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 400

وإلا قتل، فمن العلماء من يقول: يكون مرتدًا كافرًا لا يصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين، ومنهم من يقول: يكون كقاطع الطريق وقاتل النفس والزاني المحصن.

وأمر الصلاة عظيم فإنها من قوام الدين وعماده. وتعظيمه تعالى لها في كتابه فوق جميع العبادات؛ فإنه سبحانه يخصها بالذكر تارة، ويقرنها بالزكاة تارة، وبالصبر تارة، وبالنسك تارة، كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] ، وقوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ} [البقرة: 45] ، وقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر] ، وقوله: {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام] .

وتارة يفتتح بها أعمال البر ويختمها بها كما ذكره في سورة"سأل سائل"وفي أول سورة المؤمنين. قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون] .

وقال (15) - رحمه الله: لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل ولا يؤخر صلاة الليل إلى النهار لشغل من الأشغال، لا لحصد ولا لحرث ولا لصناعة ولا لجنابة ولا نجاسة ولا صيد ولا لهو ولا لعب ولا لخدمة ولا لغير ذلك. بل المسلمون كلهم متفقون على أن عليه أن يصلي الظهر والعصر بالنهار. ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس. ولا يترك ذلك لصناعة من الصناعات ولا للهو ولا لغير ذلك من الأشغال، وليس للمالك أن يمنع مملوكه، ولا للمستأجر أن يمنع الأجير من الصلاة في وقتها. ومن أخرها لصناعة أو صيد أو خدمة أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته، بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب فإن تاب والتزم أن يصلي في الوقت ألزم بذلك. وإن قال: لا أصلي إلا بعد غروب الشمس لاشتغاله بالصناعة والصيد أو غير ذلك فإنه يقتل. وقد ثبت في"الصحيحين" (16) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) . وفي"الصحيحين" (17) عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله) . وفي وصية أبي بكر الصديق لعمر بن الخطاب أنه قال: إن لله حقًا بالليل لا يقبله بالنهار وحقًا بالنهار لا يقبله بالليل (18) . والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد أخر صلاة العصر يوم الخندق لاشتغاله بجهاد الكفار ثم صلاها بعد المغرب فأنزل الله: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} . وقد ثبت في"الصحيحين"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصلاة الوسطى صلاة العصر (19) فلهذا قال جمهور العلماء إن ذلك التأخير منسوخ بهذه الآية، فلم يجوزوا ترك الصلاة حال القتال، بل أوجبوا عليه الصلاة في الوقت حال القتال. وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه.

وأما تأخير الصلاة لغير الجهاد كصناعة أو زراعة أو صيد أو عمل من الأعمال ونحو ذلك فلا يجوزه أحد من العلماء. بل قد قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون] ، قال طائفة من السلف: هم الذين يؤخرونها عن وقتها. وقال بعضهم: هم الذين لا يؤدونها على الوجه المأمور به وإن صلاها في الوقت. فتأخيرها عن الوقت حرام باتفاق العلماء؛ فإن العلماء متفقون على أن تأخير صلاة الليل إلى النهار وتأخير صلاة النهار إلى الليل بمنزلة تأخير صيام شهر رمضان إلى شوال، فمن قال: أصلي الظهر والعصر بالليل فهو باتفاق العلماء بمنزلة من قال: أفطر شهر رمضان وأصوم شوال، وإنما يعذر بالتأخير النائم والناسي كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك) (20) . فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها لجنابة ولا حدث ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت