فهذا كله خبر عن الملائكة فقوله: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186] ، وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، فهذا إنما جاء في الدعاء لم يذكر أنه قريب من العباد في كل حال، وإنما ذكر ذلك في بعض الأحوال. وقد قال في الحديث (23) : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ، وقال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] ، والمراد القرب من الداعي في سجوده؛ كما قال: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) (24) ، فأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود مع قرب العبد من ربه وهو ساجد، وقد أُمر المصلي أن يقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى) . رواه أهل السنن (25) وكذلك حديث ابن مسعود: (إذا سجد العبد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا فقد تم سجوده ذلك أدناه) (26) رواه أبو داود. وفي حديث حذيفة الذي رواه مسلم (27) : أنه -صلى الله عليه وسلم- صلّى بالليل صلاة قرأ فيها بالبقرة والنساء وآل عمران ثم ركع ثم سجد نحو قراءته يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) . وفي سجوده: (سبحان ربي الأعلى) .
وذلك أن السجود غاية الخضوع والذل من العبد وغاية تسفيله وتواضعه بأشرف شيء فيه وهو وجهه بأن يضعه على التراب، فناسب في غاية سفوله أن يصف الرب بأنه الأعلى، والأعلى أبلغ من العلي فإن العبد ليس له من نفسه شيء، هو باعتبار نفسه عدم محض وليس له من الكبرياء والعظمة نصيب. وكذلك في العلو في الأرض ليس للعبد فيه حق فإنه سبحانه ذم من يريد العلو في الأرض كفرعون وإبليس. وأما المؤمن فيحصل له العلوُّ بالإيمان لا بإرادته له -يعني العلو- كما قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران] ، فلما كان السجود غاية سفول العبد وخضوعه سبح اسم ربه الأعلى، فهو سبحانه الأعلى والعبد الأسفل كما أنه الرب والعبد العبد وهو الغني والعبد الفقير. وليس بين الرب والعبد إلا محض العبودية؛ فكلما كملها قرَّب العبدَ إليه لأنه سبحانه برٌّ جواد محسن يعطي العبد ما يناسبه، فكلما عظم فقره إليه كان أغنى وكلما عظم ذله له كان أعز. فإن النفس بما فيها من أهوائها المتنوعة وتسويل الشيطان لها تبعد عن الله حتى تصير ملعونة بعيدة من الرحمة، واللعنة هي البعد. ومن أعظم ذنوبها إرادة العلو في الأرض. والسجود فيه غاية سفولها قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] . وفي الصحيح (28) : (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر) . وقال لإبليس: {فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} [الأعراف: 13] ، وقال: {وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: 40] فهذا وصف لها ثابت، لكن من أراد أن يُعلي غيرها جوهد. وقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) (29) ، وكلمة الله هي خبره وأمره فيكون أمره مطاعًا مقدمًا على أمر غيره، وخبره مصدق مقدم على خبر غيره.
وقال: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال: 39] ، والدين هو العبادة والطاعة والذل ونحو ذلك، يقال: دنته فدان؛ أي: ذللته فذل.
يتكلم الشيخ (30) -رحمه الله- عن عبودية العبد لله وذله له وعن قرب الرب من عبده إذا كانت هذه حاله فيقول: فإذا كانت العبادة والطاعة والذل له تحقق أنه أعلى في نفوس العباد عندهم كما هو الأعلى في ذاته، كما تصير كلمته هي العليا في نفوسهم كما هي العليا في نفسها، وكذلك التكبير يراد به أن يكون عند العبد أكبر من كل شيء. كما قال -صلى الله عليه وسلم- لعدي بن حاتم: (يا عدي: ما يُفرُّك؟ أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله إلا الله؟ يا عدي ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟) (31) وهذا يبطل قول من جعل أكبر بمعنى كبير. وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (إنا معشر الأنبياء ديننا