هم عبيده وخلقه، واتبعوا المتشابه يبتغون بذلك الفتنة وهي فتنة القلوب بتوهُّم آلهة متعددة، وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، فإنهما قولان للسلف وكلاهما حق.
فمن قال: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله؛ قال: إن تأويله ما يؤول إليه وهو ما أخبر القرآن عنه في قوله: {إنَّا} و {نَحْنُ} ، هم الملائكة الذين هم عباد الرحمن الذين يدبر بهم أمر السماء والأرض وأولئك لا يعلم عددهم إلا الله ولا يعلم صفتهم غيره، ولا يعلم كيف يأمرهم يفعلون إلا هو، قال تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} ، وكل من الملائكة وإن علم حال نفسه وغيره فلا يعلم جميع الملائكة ولا جميع ما خلق الله من ذلك.
ومن قال: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله؛ قال: التأويل هو التفسير، وهو إعلام الناس بالخطاب؛ فالراسخون في العلم يعلمون تفسير القرآن كله وما بيّن الله من معانيه كما استفاضت بذلك الآثار عن السلف. فالراسخون في العلم يعلمون أن قوله: {نَحْنُ} ؛ أن الله فعل ذلك بملائكته وإن كانوا لا يعرفون عدد الملائكة ولا أسماءهم ولا صفاتهم وحقائق ذواتهم، ليس الراسخون كالجهال الذين لا يعرفون: {إنّا} {نَحْنُ} بل يقولون ألفاظًا لا يعرفون معانيها، أو يجوزون أن تكون الآلهة ثلاثة متعددة أو واحدًا لا أعوان له.
ومن هذا قول الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ} [الزمر: 42] ؛ فإنه تعالى يتوفاها برسله كما قال: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام: 61] ، {يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة: 11] ؛ فإنه يتوفاها برسله الذين مقدمهم ملك الموت، وقوله: {فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة] هو قراءة جبريل -عليه السلام- عليه، والله قرأه بواسطة جبريل كما قال: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51] فهو مكلم لمحمد بلسان جبريل وإرساله إليه، وهذا ثابت للمؤمنين كما قال تعالى: {قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} [التوبة: 94] ، وإنباء الله لهم إنما يكون بواسطة محمد إليهم.
وكذلك قوله: {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] ، {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} [البقرة: 231] ، فهو أنزل على المؤمنين بواسطة محمد.
وكذلك ذوات الملائكة تقرب من ذات المحتضر، قوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ؛ فإنه سبحانه هو وملائكته يعلمون ما توسوس به نفس العبد كما ثبت في"الصحيحين" (22) : (إذا هم العبد بحسنة فلم يعملها قال الله لملائكته: اكتبوها له حسنة. فإن عملها قال: اكتبوها له عشر حسنات. وإذا هم بسيئة. . .) إلى آخر الحديث. فالملائكة يعلمون ما يهم به من حسنة وسيئة، والهم إنما يكون في النفس قبل العمل. وأبلغ من ذلك أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وهو يوسوس له بما يهواه فيعلم ما تهواه نفسه. فقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم الله منه، وهو رب الملائكة والروح وهم لا يعلمون شيئًا إلا بأمره فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إليه من بعض، ولهذا قال في تمام الآية: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق] ، وهكذا قوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف] ؛ فقوله: {إذ} ظرف فأخبر: {أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ، حين يتلقى المتلقيان ما يقول {عَنِ الْيَمِينِ} قعيد {وَعَنِ الشِّمَالِ} قعيد، ثم قال: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ؛ أي: شاهد لا يغيب.