فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 400

ثم تكلم الشيخ - رحمه الله - عن كرامات الأولياء وهي خوارق العادات التي يجريها الله على أيدي بعضهم؛ إما لحاجة بالمسلمين، وإما لحجة في الدين. وذلك لأن الناس في موضوع كرامات الأولياء انقسموا إلى ثلاثة أقسام: طرفان ووسط؛ طرف ينكرها وهم المعتزلة ومن تأثر بهم من العقلانيين المعاصرين ويقولون: إن الخوارق خاصة بالأنبياء معجزة لهم فلو أجيز وقوعها لغيرهم اشتبه غير النبي بالنبي.

وطرف غلا في إثباتها وعلق عليها أمورًا باطلة من الشعوذة والاعتقاد في أصحابها أنهم ينفعون ويضرون من دون الله وهؤلاء هم الصوفية والقبورية المشركون، والوسط وهم أهل السنة والجماعة أثبتوا وقوع الكرامات لبعض الأولياء الصالحين من غير غلو بأصحابها ولا تعلق عليهم كما يفعله الصوفيون والقبوريون.

ولهذا، قال الشيخ - رحمه الله: ومن أصول أهل السنة والجماعة التصديق بكرامات الأولياء، وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات؛ كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها - ويعني بذلك قصة أصحاب الكهف وقصة الخضر مع موسى وقصة ذي القرنين - وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرن الأمة وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.

يبين شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - منهج أهل السنة والجماعة الذي يسيرون عليه فيقول (52) : ثم من طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باطنًا وظاهرًا واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) (53) ، ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - على هدي كل أحد، وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفُرقة وإن كان لفظ الجماعة صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين.

(والإجماع) هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين. وهم يَزِنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين. والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، وبعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة.

هكذا يحرر الشيخ - رحمه الله - الإجماع المتيقن بأنه ما كان عليه السلف الصالح يوم كانوا مجتمعين في بلد واحد أو بلاد متقاربة محصورة، وأما بعد الفتوح وتفرق العلماء في البلدان المتباعدة فالإجماع لا يكاد يكون متيقنًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت